
الهيئة الدولية “حشد” تصدر ورقة حقائق بعنوان:“واقع العلاقات الاجتماعية الإنسانية والنفسية في قطاع غزة” ضمن برنامج دبلوم نشطاء المجتمع
التاريخ: 22 يونيو 2026
خبر صحافي
بالشراكة مع مجموعة شيخ الدولية وضمن برنامج دبلوم تدريب نشطاء المجتمع المدني الشباب
الهيئة الدولية “حشد” تصدر ورقة حقائق بعنوان:“واقع العلاقات الاجتماعية الإنسانية والنفسية في قطاع غزة”
أصدرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني “حشد”، بالشراكة مع مجموعة شيخ الدولية، وضمن برنامج دبلوم تدريب نشطاء المجتمع المدني الشباب، ورقة حقائق جديدة بعنوان: “واقع العلاقات الاجتماعية الإنسانية والنفسية في قطاع غزة”،اعداد الباحثة ناهد حمدان سلطت الضوء على التحولات الجذرية التي أصابت النسيج الاجتماعي في القطاع، والآثار النفسية العميقة الناجمة عن حرب الإبادة الجماعية المستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023، وما رافقها من حصار شامل ونزوح قسري وانهيار للبنية التحتية والخدمات الأساسية.
وتشير الورقة إلى أن العدوان المتواصل على قطاع غزة لم يكتفِ باستهداف الإنسان في جسده ومأواه، بل طال أيضاً جوهر العلاقات الاجتماعية الإنسانية، فأعاد تشكيل الروابط الأسرية والمجتمعية قسراً تحت ضغط النزوح والتشتت وفقدان المعيل، الأمر الذي أدى إلى ما يمكن وصفه بـ “هدم النواة الأساسية للمجتمع الغزي”، وتحويل البيئة الاجتماعية والنفسية إلى بيئة صدمات ممتدة ومركّبة تمس كل فرد تقريباً بدرجات مختلفة.
وتوضح الورقة أن نحو مليوني إنسان في قطاع غزة يعيشون، منذ أكثر من عامين ونصف، في دائرة متواصلة من الخوف وفقدان الأمان، في ظل تدمير ممنهج للمنازل، وتحويل المدارس إلى مراكز إيواء مكتظة، وتهجير مئات آلاف الأسر بشكل متكرر، ما أدى إلى تفكك العائلات الممتدة، وتراجع دور شبكات الدعم التقليدية، وارتفاع عبء المسؤولية على النساء والأطفال وكبار السن في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة.
وبالاستناد إلى معطيات وتقارير أممية وميدانية حديثة، تسجل الورقة مؤشرات صادمة حول الحالة النفسية الجماعية؛ إذ تشير التقديرات إلى أن 99.7% من النازحين الذين يعيشون في الخيام يعانون من أعراض القلق الحاد، و99.5% من المجتمع النازح يواجهون أعراضاً مختلفة من الاكتئاب، بينما يعاني 93.7% من ضغوط صدمة شديدة، ويُرجح أن 54% من البالغين يستوفون معايير التشخيص المتزامن لثلاثة اضطرابات نفسية في آن واحد، هي: الاكتئاب الشديد، القلق الحاد، واضطراب ما بعد الصدمة.
كما تلفت الورقة إلى أن ما بين 17,000 و20,000 طفل باتوا غير مصحوبين أو منفصلين عن ذويهم بصورة كاملة، وأن نحو 1.2 مليون طفل في قطاع غزة أصبحوا في حاجة ماسة وفورية إلى خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، في ظل انهيار شبه كامل للبنية التحتية لخدمات الصحة النفسية، وتدمير أو تعطيل معظم مراكز الرعاية المجتمعية المتخصصة.
وتتناول الورقة بصورة معمقة “التحولات الديمغرافية وصراع الهوية لدى الأطفال”، موضحة أن استشهاد وإصابة واعتقال أعداد كبيرة من الشباب والرجال أدى إلى غياب الحاضنة الأسرية التقليدية، وارتفاع غير مسبوق في عدد الأسر التي تعيلها نساء أو أطفال، إلى جانب تزايد أعداد الأرامل والأيتام، وانكماش دور الأسرة الممتدة التي كانت تاريخياً تشكل شبكة أمان اجتماعية في الأزمات. وتبيّن الورقة أن هذا الواقع أنتج اختلالاً في التوازن السكاني والاجتماعي، وفرض أدواراً جديدة على النساء والأطفال، تتحمل فيها الفئات الأكثر هشاشة أعباءً معيشية ونفسية تفوق طاقتها.
وفي محور خاص، تتوقف الورقة عند ظاهرة “جيل الخيام”، حيث أدى العيش المتواصل لثلاث سنوات تقريباً في خيام ومراكز إيواء بديلة، مع انقطاع شبه كامل عن التعليم النظامي، إلى حرمان مئات آلاف الأطفال من بيئة مدرسية مستقرة، وتحويل علاقتهم بالبيت والمدرسة إلى علاقة مرتبطة بالخطر والدمار والنزوح. وتوضح أن كثيراً من الأطفال باتوا يعرفون أنفسهم باعتبارهم “نازحين” قبل أن يكونوا “طلاباً”، ما يهدد بتشكيل فجوة معرفية ونفسية واجتماعية عميقة بينهم وبين أقرانهم في البيئات التعليمية الطبيعية.
وتقدم الورقة قراءة تحليلية متعددة الأبعاد للمشهد، حيث تقف أولاً على تداعيات الحرب على العلاقات الاجتماعية، فتشير إلى أن النزوح المتكرر وتكدس الأسر في خيام أو غرف صغيرة داخل المدارس ومراكز الإيواء خلق حالة من انعدام الخصوصية وانتشار التوتر داخل الأسرة الواحدة، وارتفاع مستويات الاحتكاك اليومي بين الأفراد، في ظل غياب المساحات الآمنة، وغياب أي بنية تحتية تضمن للفرد أبسط أشكال الراحة والاستقرار. كما توضح أن هذه الظروف دفعت كثيراً من الأسر إلى تبني آليات تكيف سلبية، من بينها عمالة الأطفال، والزواج المبكر للفتيات، والاعتماد على أنماط عائلية غير مستقرة، في محاولة قسرية لمواجهة الفقر والجوع والحرمان.
ومن الناحية النفسية، تؤكد الورقة أن مفهوم “ما بعد الصدمة” لم يعد دقيقاً لوصف حالة سكان قطاع غزة، إذ لا يعيش السكان مرحلة ما بعد حدث صادم واحد، وإنما واقع صدمة مستمرة ومتجددة، بسبب استمرار التهديد بالموت، والفقدان المتكرر للأحبّة، والتعرض اليومي لمشاهد الدمار والجثث والجرحى. وتذكر أن نسباً مقلقة من الأطفال تعاني من اضطرابات الإخراج مثل التبول اللاإرادي، وأن جزءاً كبيراً منهم يعاني من كوابيس متكررة، واضطرابات نوم حادة، وسلوكيات عدوانية أو انعزالية، فيما تظهر على كثير من النساء علامات اكتئاب شديد وقلق مزمن نتيجة تحمل المسؤولية عن الأسرة في ظل غياب المعيل وندرة الموارد.
وتشير الورقة إلى أن ما يقارب 38% من النساء اللواتي خضعن لتشخيص طبي ونفسي يعانين من الاكتئاب الشديد، وأن نسبة كبيرة من الأهالي باتت تعيش حالة من “الإرهاق النفسي” المزمن، بعدما استنفدت كل آليات التكيف على مدار سنوات متتالية من الحصار والحرب والنزوح. وتؤكد أن هذا الإرهاق الجماعي ينعكس بشكل مباشر على طريقة تعامل الأسر مع أطفالها، وعلى مستوى العنف اللفظي والجسدي داخل الأسرة، وعلى إمكانيات تقديم رعاية نفسية وعاطفية مستقرة للأطفال.
وفي البعد القانوني والحقوقي، تبيّن الورقة أن البيئة المفروضة على سكان غزة تمثل انتهاكاً واضحاً لالتزامات القوة القائمة بالاحتلال بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، حيث يُحرم السكان عملياً من الحق في الصحة الجسدية والعقلية كما نصت عليه المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كما تؤكد أن استهداف وتدمير المرافق الصحية والنفسية والتعليمية، ومنع إعادة إعمارها، ينسجم مع نمط من الانتهاكات التي قد ترقى إلى مستوى المعاملة اللاإنسانية والمهينة المحظورة بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، فضلاً عن تعارضه الصارخ مع اتفاقية حقوق الطفل، وخاصة المواد المتعلقة بحماية الطفل من العنف والاستغلال، وضمان حقه في التعليم وفي بيئة آمنة للنمو السليم.
وتخلص الورقة إلى عدد من النتائج، من أبرزها الانهيار شبه الكامل للمنظومة الحمائية النفسية والاجتماعية التقليدية في قطاع غزة، وعجز المؤسسات الوطنية والدولية العاملة في المجال الإنساني عن تلبية الاحتياجات الهائلة في مجال الدعم النفسي والاجتماعي، ونشوء جيل كامل من الأطفال الذين ينشأون في بيئة مشبعة بالصدمات والحرمان، بما يهدد قدراتهم على التعلم والاندماج الاجتماعي في المستقبل. كما تشير إلى أن محدودية التمويل الدولي، وعدم الوفاء بخطط الاستجابة الإنسانية لعام 2026 إلا بنسب متدنية للغاية، يعمقان من الفجوة بين حجم الاحتياج وحجم التدخل الفعلي على الأرض.
وفي ضوء ذلك، تقدم الورقة حزمة من التوصيات، من بينها الدعوة إلى إدماج البعد النفسي والاجتماعي كعنصر محوري في أي خطة لإعادة الإعمار والتعافي، وعدم الاكتفاء بإعادة بناء الحجر دون الاهتمام بترميم الإنسان والعلاقات الاجتماعية داخل المجتمع. كما توصي بإنشاء وتوسيع مراكز مجتمعية آمنة للأطفال والنساء في مختلف مناطق النزوح، وتوفير برامج دعم نفسي واجتماعي مستدامة قائمة على كوادر محلية مدرَّبة، إلى جانب دعم الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين الذين يتعرضون بدورهم لصدمات مباشرة وثانوية أثناء عملهم.
وتطالب الورقة المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، والوكالات المتخصصة، بالتحرك العاجل لوقف حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، وتوفير حماية دولية حقيقية للمدنيين، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية بشكل آمن وكافٍ، مع إعطاء أولوية خاصة لبرامج الصحة النفسية المجتمعية والدعم النفسي الاجتماعي، وتطوير آليات رقابية لمتابعة التزام القوة القائمة بالاحتلال بواجباتها القانونية تجاه السكان المدنيين.
وتؤكد الهيئة الدولية “حشد” أن هذه الورقة تأتي في إطار جهودها، بالشراكة مع مجموعة شيخ الدولية وضمن برنامج دبلوم تدريب نشطاء المجتمع المدني الشباب، من أجل توثيق الانعكاسات العميقة للحرب على البنية الاجتماعية والنفسية في قطاع غزة، والتنبيه إلى أن إعادة بناء الإنسان والعلاقات الإنسانية لا تقل أهمية عن إعادة إعمار المنازل والمؤسسات، وأن تجاهل هذا البعد يعني ترك جيل كامل يواجه وحده تبعات صدمات مركبة ومتواصلة.



