
الهيئة الدولية «حشد» العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية محاولة ممنهجة لإجهاض العدالة الدولية وحماية إسرائيل من المساءلة
التاريخ:10 أكتوبر/تشرين الأول 2026
بيان صحافي
الهيئة الدولية «حشد» العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية محاولة ممنهجة لإجهاض العدالة الدولية وحماية إسرائيل من المساءلة
تدين الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني «حشد» بأشد العبارات قرار الإدارة الأمريكية فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية بصفتها مؤسسة قضائية دولية، في تصعيد خطير يستهدف استقلال القضاء الدولي ويهدد قدرة المحكمة على أداء ولايتها في التحقيق والملاحقة القضائية لأخطر الجرائم التي تهم المجتمع الدولي. وتمثل هذه الخطوة حلقة جديدة في مسار متدرج من الضغوط والتهديدات والعقوبات الأمريكية التي استهدفت قضاة المحكمة ومسؤوليها والمتعاونين معها، وصولًا إلى توسيع نطاق الاستهداف ليطال المؤسسة ذاتها، في محاولة لفرض إرادة سياسية على عمل قضائي تحكمه قواعد القانون الدولي ونظام روما الأساسي.
وترى الهيئة أن هذا التصعيد لا يمكن فصله عن السياق السياسي والقضائي المتصل بالحالة الفلسطينية، ولا سيما بعد إصدار المحكمة الجنائية الدولية، في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، مذكرتي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ما يجعل من استهداف المحكمة بسبب ممارستها ولايتها القضائية اعتداءً على مبدأ استقلال القضاء، وتقويضًا لجوهر نظام روما الأساسي ومبدأ المساواة أمام القانون، ومحاولة لترسيخ واقع تُتاح فيه الحماية السياسية للقوى النافذة والمسؤولين المتهمين بارتكاب جرائم دولية، بينما يُترك الضحايا بلا إنصاف.
وترى الهيئة أن ربط العقوبات الأمريكية بإجراءات المحكمة وتحقيقاتها المتعلقة بمسؤولين إسرائيليين، وما أعلنته الإدارة الأمريكية بشأن مبررات استهداف المحكمة ومسؤوليها، يثير مخاوف جدية من توظيف النفوذ السياسي والاقتصادي للتأثير في مسارات المساءلة الدولية وحماية المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة والحرب والجرائم ضد الإنسانية من تبعات الإجراءات القضائية.
تؤكد الهيئة الدولية «حشد» أن العقوبات الأخيرة لا تأتي بمعزل عن إجراءات أمريكية سابقة استهدفت العاملين في منظومة العدالة الدولية. فقد أصدرت الإدارة الأمريكية الأمر التنفيذي رقم 14203 في 6 فبراير/شباط 2025، الذي أتاح فرض عقوبات على أشخاص مرتبطين بالمحكمة الجنائية الدولية، وأعقبت ذلك إجراءات استهدفت قضاة ومسؤولين في المحكمة، من بينهم المدعي العام السابق كريم خان، كما فُرضت في يوليو/تموز 2025 عقوبات على فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة.
وامتد هذا النهج إلى مؤسسات حقوقية فلسطينية، و التي تعرضت لعقوبات أمريكية في سبتمبر/أيلول 2025 على خلفية عملها الحقوقي وتعاونها مع المحكمة بشأن الحالة الفلسطينية.
وترى «حشد» أن اتساع نطاق الاستهداف من قضاة ومسؤولين إلى خبراء أمميين ومؤسسات حقوقية فلسطينية، ثم إلى المحكمة بصفتها مؤسسة، يكشف عن مخاطر تتجاوز الاعتراض على إجراءات قضائية محددة، لتطال البيئة الدولية التي تتيح توثيق الجرائم وجمع الأدلة والتعاون مع آليات المحكمة الجنائية الدولية وباقي اليات العدالة والمساءلة. كما يبعث برسالة ترهيب إلى المدافعين عن حقوق الإنسان والشهود والخبراء والمؤسسات التي تسعى إلى إنصاف الضحايا عبر الوسائل القانونية المشروعة.
وتحذر الهيئة من أن آثار العقوبات لا تقتصر على الأشخاص والجهات المستهدفة مباشرة، بل قد تمتد إلى قدرتهم على الوصول إلى الخدمات المصرفية والتقنية والمهنية، وإلى قدرة المحكمة على إدارة التحقيقات وحفظ الأدلة والتواصل مع الشهود والمتعاونين معها. كما قد تؤدي إلى إحجام مؤسسات وأفراد عن التعاون مع المحكمة خشية التعرض للعقوبات أو فقدان الخدمات المالية، بما ينعكس سلبًا على حقوق الضحايا في الحقيقة والعدالة والمساءلة وجبر الضرر.
وتؤكد الهيئة أن الاختلاف مع اختصاص المحكمة أو قراراتها لا يبرر معاقبة قضاتها أو مدعيها أو موظفيها. فمسائل الاختصاص والمقبولية والطعن في الإجراءات تُحسم وفق نظام روما الأساسي والقواعد القانونية ذات الصلة والآليات القضائية المقررة، وليس من خلال فرض العقوبات الاقتصادية غير المشروعة أو التهديدات السياسية.
ترى الهيئة الدولية «حشد» أن الحالة الفلسطينية تمثل اختبارًا جوهريًا لمصداقية المحكمة الجنائية الدولية وللنظام الدولي لمكافحة الإفلات من العقاب. فحماية استقلال المحكمة تتطلب ضمان قدرتها على تطبيق القانون دون انتقائية أو ضغوط، وعلى جميع الأشخاص والجرائم الداخلة ضمن اختصاصها، بصرف النظر عن جنسيات المتهمين أو مواقعهم السياسية أو التحالفات التي تحميهم.
وفي هذا السياق، فإن توالي الإجراءات الأمريكية التي تستهدف المحكمة ومسؤوليها والمؤسسات الحقوقية المتعاونة معها، بالتزامن مع الاعتراضات الإسرائيلية على إجراءات المحكمة المتعلقة بالحالة الفلسطينية، يثير مخاوف جدية من إضعاف فرص المساءلة عن الجرائم الدولية المرتكبة في الأرض الفلسطينية المحتلة.
وتؤكد الهيئة أن المسؤولية الجنائية الدولية لا يجوز أن تخضع لموازين القوة أو أن تتوقف عند حدود الاعتبارات السياسية، وأن حماية أي طرف من المساءلة بسبب نفوذه تمس مبدأ المساواة أمام القانون وتهدد الثقة في النظام الدولي للعدالة.
كما تحذر «حشد» من أن تقويض المحكمة أو ترهيب العاملين فيها قد يشجع مرتكبي الجرائم الدولية على الاعتقاد بأن الحماية السياسية قادرة على تعطيل المساءلة، ويضعف ثقة الضحايا والمجتمعات المتضررة في جدوى اللجوء إلى الآليات القانونية الدولية.
ومن هنا، فإن حماية المحكمة ليست مسألة مؤسسية منفصلة عن حقوق الفلسطينيين، بل شرط أساسي للحفاظ على مسارات المساءلة عن الجرائم المرتكبة بحقهم، وضمان ألا تتحول القوة السياسية والاقتصادية إلى وسيلة لإغلاق أبواب العدالة.
الهيئة الدولية «حشد» ترحب بالمواقف الدولية الرافضة للعقوبات الأمريكية والداعمة لاستقلال المحكمة الجنائية الدولية، وفي مقدمتها موقف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي أعرب عن قلق بالغ من التداعيات المحتملة لهذه الإجراءات على قدرة المحكمة على مواصلة أداء ولايتها، بما في ذلك الحالات المحالة إليها من مجلس الأمن الدولي والدول الأطراف. كما تثمن موقف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، الداعي إلى اتخاذ تدابير فورية لحماية المحكمة واستقلالها.
وتثمن الهيئة البيان المشترك الصادر عن كندا والدنمارك وألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان وهولندا والمملكة المتحدة، الذي أكد دعم استقلال المحكمة ونزاهتها ورفض العقوبات الأمريكية، وحذر من انعكاساتها المحتملة على عمل المحكمة وموظفيها وأسرهم. كما ترحب بالموقف البلجيكي الذي أدان العقوبات ودعا إلى تفعيل أدوات الحماية الأوروبية، بما فيها بحث استخدام آليات قانونية للحد من الآثار العابرة للحدود للعقوبات الأمريكية.
وكما تثمن الهيئة الدولية «حشد» الموقف السويسري المعلن الداعم لاستقلال المحكمة الجنائية الدولية ورفض التدابير التي تقوض حيادها ونزاهتها، وتؤكد أهمية ترجمة هذا الدعم إلى إجراءات ملموسة تحمي المحكمة وتضمن استمرار عملها دون ضغوط سياسية أو اقتصادية. كما تؤكد أهمية المواقف الإسبانية الرافضة لاستهداف مسؤولي المحكمة، إلى جانب المواقف الدولية والحقوقية الأخرى الداعمة لاستقلال القضاء الجنائي الدولي.
وترى الهيئة أن اتساع دائرة الدعم الدولي يعكس إدراكًا لأهمية حماية المحكمة بوصفها إحدى ركائز منظومة العدالة الجنائية الدولية، لكنه لن يكون كافيًا ما لم يتحول إلى التزامات سياسية وقانونية ومالية ومؤسسية قابلة للتنفيذ. فالإدانات وحدها لا تمنع الآثار العملية للعقوبات، ولا تضمن استمرار الخدمات المصرفية والتقنية والمهنية التي تحتاج إليها المحكمة، ولا توفر بالضرورة الحماية الكافية لقضاتها وموظفيها والمتعاونين معها.
ما يتطلب من الدول التي أعلنت رفضها للعقوبات، والأمم المتحدة، والدول الأطراف في نظام روما الأساسي، والاتحاد الأوروبي، إلى تنسيق استجابة جماعية تحمي المحكمة من الترهيب والانتقام، وتضمن استمرار مواردها وعلاقاتها المهنية والتقنية والمالية، وتمنع تحويل العقوبات الأحادية إلى أداة لتعطيل المساءلة الدولية.
وبناء عليه، تطالب الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني حشد بما يلي:
أولًا: إلى الإدارة الأمريكية، التراجع الفوري عن العقوبات المفروضة على المحكمة الجنائية الدولية ومسؤوليها، ووقف الإجراءات التي تستهدف قضاة المحكمة ومدعيها وموظفيها أو تعرقل أداء مهامهم، وإنهاء استخدام العقوبات والتهديدات السياسية والاقتصادية للتأثير في مسارات العدالة الدولية أو حماية أي شخص من المساءلة عن الجرائم الدولية.
ثانيًا: إلى الأمم المتحدة والدول الأطراف في نظام روما الأساسي، اتخاذ خطوات قانونية ودبلوماسية ومالية منسقة لحماية استقلال المحكمة وضمان استمرارها في أداء ولايتها، وتعزيز التعاون معها، والوفاء بالالتزامات المترتبة على الدول الأطراف بموجب النظام الأساسي، بما في ذلك التعاون مع المحكمة وتنفيذ قراراتها وأوامرها وفقًا للقانون.
ثالثًا: إلى الاتحاد الأوروبي والدول الرافضة للعقوبات، الانتقال من إعلان المواقف إلى تدابير عملية للحد من الآثار المباشرة وغير المباشرة للعقوبات. وتشمل هذه التدابير دراسة تفعيل أدوات الحماية القانونية المتاحة، بما فيها آليات الحماية الأوروبية من آثار العقوبات الأجنبية العابرة للحدود، وضمان استمرار الخدمات المصرفية والتقنية والمهنية اللازمة لعمل المحكمة، ومنع الجهات الخاضعة لولايتها القضائية من تعطيل عملها بسبب الضغوط الخارجية.
رابعًا: إلى المؤسسات الدولية والحقوقية والقطاع المصرفي والجهات المهنية المعنية، تطوير آليات عملية تضمن استمرار المحكمة وموظفيها وخبراء الأمم المتحدة ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني في أداء مهامهم المشروعة، والحد من مخاطر الحرمان من الخدمات المالية والتقنية، وتوفير الحماية للمؤسسات الحقوقية الفلسطينية والمدافعين عن حقوق الإنسان والشهود والخبراء والمتعاونين مع آليات المساءلة الدولية من التهديد أو الانتقام.
خامسًا: إلى المجتمع الدولي، رفض ازدواجية المعايير والتمسك بمبدأ عدم الإفلات من العقاب، وضمان عدم تحول النفوذ السياسي أو الاقتصادي لأي دولة، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها، إلى حصانة من المسؤولية عن الجرائم الدولية. كما تدعو الهيئة الدول إلى اتخاذ إجراءات قانونية ودبلوماسية فعالة لمعالجة الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، ومساءلة المسؤولين عنها وفق القانون الدولي، بما يشمل مراجعة علاقات التعاون التي تسهم في استمرار الانتهاكات، وفق الالتزامات القانونية ذات الصلة.
سادسًا: إلى المحكمة الجنائية الدولية، مواصلة أداء ولايتها باستقلال ونزاهة وحياد، والاستمرار في النظر في جميع الجرائم الداخلة ضمن اختصاصها، بما فيها الجرائم المرتكبة في الأرض الفلسطينية المحتلة، دون رضوخ للضغوط السياسية أو الاقتصادية، مع ضمان حقوق الضحايا في الحقيقة والعدالة والمساءلة وجبر الضرر.
ختاما تشدد الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني «حشد» على أن حماية المحكمة الجنائية الدولية تتجاوز الدفاع عن مؤسسة بعينها؛ إنها دفاع عن حق الضحايا في العدالة، وعن مبدأ المساواة أمام القانون، وعن قدرة النظام القانوني الدولي على مواجهة الجرائم الأشد خطورة دون انتقائية أو تمييز.
إن اختبار المجتمع الدولي اليوم لا يتمثل في إعلان التمسك بالعدالة حين تكون بلا كلفة سياسية، بل في الاستعداد لحمايتها عندما تتعرض للتهديد، وعندما تقترب إجراءاتها من مسؤولين تحيط بهم الحماية السياسية. فالمحكمة لا ينبغي أن تكون قوية أمام الضعفاء وعاجزة أمام الأقوياء، ولا يجوز أن تصبح العقوبات وسيلة لمعاقبة من يطبق القانون بدلًا من مساءلة من يُشتبه في ارتكابه الجرائم. فالعقوبات الأمريكية-الإسرائيلية لا تلغي الجرائم، والتهديدات لا تسقط حقوق الضحايا، والقوة السياسية لا تمنح حصانة من المسؤولية الجنائية الدولية. إن استقلال المحكمة الجنائية الدولية ليس امتيازًا للقضاة، بل ضمانة للضحايا وللمجتمع الدولي بأسره؛ وحمايتها من الترهيب والانتقام مسؤولية دولية مشتركة، حتى لا تتحول التحالفات السياسية والاقتصادية إلى جواز للإفلات من المساءلة عن أخطر الجرائم التي تمس الإنسانية جمعاء.



