اخبار صحفية

«حشد» تحذّر من «إنهاك التضامن» في غزة حماية الصحة النفسية والتماسك الاجتماعي ضرورة للبقاء والتعافي

التاريخ: 18 أكتوبر 2026

خبر صحافي

«حشد» تحذّر من «إنهاك التضامن» في غزة: حماية الصحة النفسية والتماسك الاجتماعي ضرورة للبقاء والتعافي

أصدرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني «حشد» ورقة بعنوان «حين يصبح البقاء أولوية: العدوان الإسرائيلي وأثره على التماسك الاجتماعي والصحة النفسية والسلم الأهلي في قطاع غزة»، تتناول الآثار المتداخلة للحرب والنزوح والفقدان وانهيار الخدمات على الأسرة والعلاقات المجتمعية، وتحذر من استنزاف قدرة السكان على الرعاية والتعاون ومساندة بعضهم بعضاً، رغم استمرار مظاهر التضامن والمبادرات المحلية.

وتؤكد الهيئة أن حماية الصحة النفسية والتماسك الاجتماعي ليست خدمة هامشية تُضاف إلى الإغاثة، بل جزء أساسي من حماية الإنسان وقدرته على البقاء والتعافي. وتشدد على أن صمود المجتمع الفلسطيني لا يعني قدرته على تحمل أعباء الحرب وحده، وأن التضامن المحلي يجب أن يكون شريكاً في الاستجابة الإنسانية، لا بديلاً عن الخدمات والمؤسسات والالتزامات الإنسانية.

التضامن مستمر.. لكن القدرة على العطاء تُستنزف

وتوضح الورقة أن المجتمع قد يبدو متماسكاً من الخارج، فيما تتراكم داخله مستويات مرتفعة من الإنهاك؛ فالأسر تواصل رعاية أفرادها واستضافة النازحين، والجيران يتقاسمون الطعام والماء، والمتطوعون ينظمون المبادرات، لكن ذلك يجري أحياناً على حساب موارد نفسية ومادية تتناقص باستمرار.

وتطرح الورقة مفهوم «إنهاك التضامن» لوصف الحالة التي تستمر فيها الرغبة في مساعدة الآخرين، بينما تتراجع القدرة المادية والنفسية على مواصلة هذه المساعدة. وتحذر من تفسير تراجع قدرة الناس على العطاء بوصفه تراجعاً أخلاقياً أو انهياراً في قيم المجتمع، في حين قد يكون نتيجة مباشرة للفقدان والفقر والضغط المتواصل.

وتميز «حشد»، من خلال الورقة، بين التضامن بوصفه استجابة مباشرة للأزمة، والتماسك الاجتماعي بوصفه قدرة أوسع على الحفاظ على الثقة والانتماء والتعاون وإدارة الخلافات دون عنف. وتؤكد أن استمرار المبادرات الشعبية، على أهميته، لا يلغي الحاجة إلى دعم منتظم يحمي القائمين عليها من الاستنزاف.

حين تنحصر الحياة في تأمين الاحتياجات اليومية

وتتناول الورقة التحول الذي تفرضه الحرب على أولويات الأفراد والأسر، حيث تنكمش مساحات العمل والتعلم والتخطيط للمستقبل، لتحل محلها أسئلة يومية حول الماء والطعام والدواء والمأوى والأمان واحتمالات النزوح من جديد.

وتوضح أن البحث المستمر عن هذه الاحتياجات لا يستهلك الوقت والمال فقط، بل يستنزف الانتباه والطاقة النفسية والعاطفية، وقد يحد من قدرة الأفراد على تحمل الخلافات والمشاركة في الشأن العام والحفاظ على العلاقات طويلة الأمد.

كما تشير إلى أن الشخص قد يكون محتاجاً إلى الدعم ومقدماً له في الوقت نفسه؛ فقد يكون نازحاً ويستضيف آخرين، أو متضرراً ومسؤولاً عن رعاية أقاربه، أو منهكاً ويحاول تهدئة أطفاله. وترى الهيئة أن هذه الأدوار المتزامنة تفرض أعباء مضاعفة تستدعي استجابة تراعي احتياجات مقدمي الرعاية، لا احتياجات المستفيدين وحدهم.

النزوح يفكك شبكات الأمان والانتماء

وتؤكد الورقة أن النزوح ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل اقتلاع من البيئة التي تنظم حياة الإنسان وعلاقاته وذاكرته اليومية. ففقدان المنزل يعني أيضاً فقدان الخصوصية والروتين والجيران والمدرسة القريبة وشبكات المساعدة التي كانت تسند الأسرة في الأوقات الصعبة.

وبحسب البيانات التي تستعرضها الورقة، كان نحو 1.9 مليون شخص من أصل 2.1 مليون في قطاع غزة نازحين في منتصف عام 2026، فيما أشار تقرير عن الربع الأول من العام نفسه إلى استمرار نزوح نحو 800 ألف طفل، يعيش كثير منهم في ظروف مكتظة وغير صحية تفتقر إلى الخصوصية.

وتوضح «حشد» أن تكرار النزوح يصعّب إعادة بناء العلاقات، ويزيد الضغط على المجتمعات المضيفة، ويضعف استقرار الأطفال، ويفرض الاعتماد على شبكات دعم قد تكون هي نفسها مستنزفة. وتشدد على أن اختزال النزوح في «مشكلة مأوى» يحجب آثاره الأعمق على الانتماء والثقة والعلاقات الاجتماعية.

كما تتناول الورقة تدمير المنازل والمدارس والمرافق الصحية وأماكن العمل، موضحة أن خسارتها لا تعني فقدان خدماتها المباشرة فقط، بل فقدان وظائف نفسية واجتماعية، من بينها الأمان والاستقرار والتفاعل الاجتماعي والاستقلالية والشعور بالقدرة على الإنتاج.

الأسرة ومقدمو الرعاية تحت ضغط متواصل

وتشير الورقة إلى أن الأسرة أصبحت، مع تعطل المؤسسات والخدمات، شبكة الأمان الأولى للأطفال والمرضى وكبار السن والأشخاص الذين فقدوا مصادر دخلهم، رغم أنها قد تكون فقدت منزلها أو أحد أفرادها وتعيش في مساحة ضيقة وتفتقر إلى الموارد.

وتوضح أن الأسرة تتحول، في هذه الظروف، من وحدة للعيش والرعاية إلى وحدة لإدارة الأزمة، تتوزع داخلها مسؤوليات البحث عن المياه والغذاء والدواء والمساعدات ورعاية الأطفال والمصابين. وتؤكد أن دعم فرد واحد، مع ترك محيطه الأسري في حالة إنهاك، قد يظل محدود الأثر.

وتولي الورقة اهتماماً خاصاً بالنساء ومقدمي الرعاية، الذين يتحملون قدراً كبيراً من العمل اليومي غير المرئي، من توفير الاحتياجات الأساسية إلى متابعة المرضى وتهدئة الأطفال وتنظيم الحياة داخل أماكن النزوح.

وتشدد «حشد» على عدم اختزال النساء في وصفهن فئة متضررة فقط، فهن أيضاً فاعلات في الاستجابة المجتمعية والمبادرات والتعليم والرعاية. وترى أن حمايتهن من الاستنزاف تعني حماية إحدى الركائز الأساسية لاستمرار الحياة الأسرية والاجتماعية.

حماية الأطفال والشباب جزء من حماية مستقبل المجتمع

وتوضح الورقة أن الأطفال يعيشون الحرب بوصفها تغيراً شاملاً في حياتهم اليومية، يفقدهم الأماكن والعلاقات والروتين الذي يمنحهم الإحساس بالأمان. وتمتد آثار ذلك إلى التعلم والسلوك والعلاقات والقدرة على التكيف.

وتستعرض بيانات تشير إلى أن قرابة تسعة من كل عشرة أطفال جرى التشاور معهم خلال النصف الأول من عام 2026 أفادوا بالحاجة إلى دعم نفسي اجتماعي. وتؤكد أن هذه النتيجة لا ينبغي اختزالها في تشخيصات فردية، بل قراءتها باعتبارها مؤشراً إلى الضغوط الواقعة على البيئة التي يفترض أن ينمو فيها الطفل.

وتربط الورقة حماية الصحة النفسية للأطفال بوجود أسرة قادرة على الرعاية، ومكان آمن، وتعليم وروتين يومي، وغذاء وماء ورعاية صحية، ومساحات للعب والتعبير والتفاعل مع الأقران.

وفيما يتعلق بالشباب، تشير إلى أن الحرب تعطل التعليم والعمل ومسارات الاستقلال وتكوين الأسرة والمشاركة العامة، لكنها تؤكد أنهم ليسوا مجرد متلقين للمساعدة؛ فقد أدوا أدواراً في التطوع وتنظيم المساعدات ودعم الأطفال وتبادل المعلومات.

وتدعو «حشد» إلى إشراك الشباب في تصميم البرامج والمبادرات المجتمعية والتعليم غير النظامي والحوار والوساطة، بما يعزز دورهم في الحلول ويحافظ على قدرتهم على المشاركة والإنتاج.

عدالة المساعدات شرط للثقة والسلم الأهلي

وتتناول الورقة العلاقة بين ندرة الموارد والتوترات الاجتماعية، مؤكدة أن المشكلة لا تتعلق بحجم المساعدات وحده، بل بعدالة الوصول إليها ووضوح معايير توزيعها.

وتستعرض نتائج رصد في يونيو 2026 تفيد بأن المساعدات النقدية كانت المصدر الرئيسي للدخل أو الدعم لدى 72% من الأسر المستفيدة التي شملها الرصد بعد التوزيع. وتوضح أن هذه النسبة تخص العينة المرصودة، ولا تمثل بالضرورة جميع أسر قطاع غزة.

وترى الهيئة أن التوزيع الواضح والعادل يمكن أن يعزز الثقة، فيما قد يؤدي الغموض أو الشعور بالتمييز وعدم تكافؤ الوصول إلى تحويل المساعدة نفسها إلى مصدر للتوتر. وتؤكد أن عدالة الإغاثة ليست مسألة إدارية منفصلة عن السلم الأهلي، بل أحد شروطه.

كما تشير الورقة إلى أن ندرة المياه والازدحام عند نقاط جمعها يستهلكان وقت الأسر وطاقتها، وقد يفرضان ضغوطاً إضافية حول المسؤوليات والأولويات والتوزيع، بما يبرز ضرورة الربط بين استعادة الخدمات وتخفيف الأعباء الاجتماعية.

الوقاية من النزاعات تبدأ بتخفيف أسبابها

وتحذر الورقة من أن تراكم الخوف والفقد والحرمان والنزوح، دون فرص كافية للتعافي، قد يضعف قدرة الأفراد على الحوار وتحمل الاختلاف، ويزيد احتمالات تحول خلافات حول الماء أو المال أو السكن والرعاية إلى نزاعات أوسع.

لكنها تؤكد أن هذا المسار ليس حتمياً، وأن التجربة الفلسطينية أظهرت قدرة كبيرة على التضامن والتكيف والمبادرة. وتشدد على أن الخدمات الأساسية المنتظمة، والمساعدات العادلة، والدعم النفسي والاجتماعي، ومساحات الحوار والوساطة، والقيادة المحلية الموثوقة، يمكن أن تخفف الضغوط وتمنع تحولها إلى نزاعات.

وتدعو الهيئة الدولية «حشد»، في ضوء الورقة، إلى استجابة متكاملة تجمع بين تأمين الاحتياجات الأساسية واستعادة الخدمات، ودعم الأسر والمجتمعات المضيفة والمتطوعين ومقدمي الرعاية، وتوسيع الوصول إلى خدمات الصحة النفسية والدعم الاجتماعي، مع تعزيز المشاركة وعدالة توزيع الموارد.

وتختتم «حشد» بالتأكيد على أن حماية التماسك الاجتماعي لا تبدأ بعد وقوع النزاع، بل بمنع الظروف التي تزيد احتمالاته، وأن التعافي الحقيقي لا يقتصر على إعادة بناء المكان، بل يشمل استعادة الثقة والعلاقات والقدرة على العيش المشترك. وتشدد على أن المجتمع الذي يواصل التضامن رغم الحرب يحتاج إلى من يحمي قدرته على الاستمرار، لا إلى تحميله مزيداً من الأعباء باسم الصمود.

للاطلاع على الورقة اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى