
«حشد» ثلاث سنوات على حرب الإبادة في غزة.. خسائر تتجاوز الضحايا والركام إلى تدمير مقومات الحياة ومستقبل المجتمع
التاريخ: 18 أكتوبر 2026
خبر صحافي
«حشد»: ثلاث سنوات على حرب الإبادة في غزة.. خسائر تتجاوز الضحايا والركام إلى تدمير مقومات الحياة ومستقبل المجتمع
أصدرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني «حشد» ورقة حقائق بعنوان «بعد ثلاث سنوات على حرب الإبادة في قطاع غزة: الخسائر البشرية، الصحية، الاجتماعية، السكنية، الاقتصادية والبيئية»، تغطي الفترة من 7 أكتوبر 2023 حتى 7 أكتوبر 2026، وتستعرض حجم الخسائر المتراكمة وتداعياتها على حياة السكان وحقوقهم وقدرتهم على التعافي.
وتؤكد الهيئة أن الكلفة الحقيقية للحرب لا تختزل في أعداد الشهداء والجرحى أو قيمة المباني المدمرة، بل تشمل فقدان الأسر ومصادر الرزق والتعليم والصحة والاستقلال الشخصي، وتفكك شبكات الدعم الاجتماعي، وتدهور البيئة والخدمات الأساسية. وتشدد على أن إعادة بناء غزة تتطلب استجابة متكاملة تعيد للإنسان حقوقه وأمانه، بالتوازي مع إعادة إعمار المساكن والمؤسسات والبنية التحتية.
خسائر بشرية وإصابات تغير مسار الحياة
وبحسب البيانات التي تستعرضها الورقة، بلغ عدد الشهداء المُبلّغ عنهم 74,245 شهيداً، فيما بلغ عدد الجرحى 175,267 مصاباً حتى 6 أكتوبر 2026. وتوضح الورقة أن هذه الحصيلة لا تمثل بالضرورة العدد النهائي للضحايا، في ظل بقاء أشخاص تحت الأنقاض أو في مناطق يتعذر على فرق الإنقاذ الوصول إليها، واستمرار عمليات البحث وانتشال الجثامين والتعرف إلى أصحابها.
كما تشير إلى تسجيل 1,462 وفاة و5,151 إصابة منذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 وحتى 6 أكتوبر 2026، بما يعكس استمرار الخسائر البشرية والمخاطر المرتبطة بالقصف المتقطع والمباني المتضررة والذخائر غير المنفجرة.
وتلفت «حشد» إلى أن آثار الإصابة لا تنتهي عند تلقي العلاج الأولي؛ إذ تعرض أكثر من 43 ألف مصاب لإصابات يُحتمل أن تكون مغيرة لمسار حياتهم، وفق التقديرات الصحية التي توردها الورقة حتى ربيع 2026. وتشمل هذه الإصابات أضراراً خطيرة في الأطراف والحبل الشوكي والدماغ وحروقاً شديدة، فيما يحتاج أكثر من 50 ألف شخص إلى إعادة تأهيل طويلة الأمد.
وتستعرض الورقة أكثر من خمسة آلاف حالة بتر، يُقدّر أن الأطفال يمثلون نحو خُمس أصحابها، مع فجوة كبيرة بين الاحتياج إلى الأطراف الصناعية والخدمات التأهيلية والقدرة على توفيرها. وتؤكد الهيئة أن حماية المصابين والأشخاص ذوي الإعاقة تتطلب علاجاً مستمراً وأجهزة مساعدة وتهيئة للمساكن والمرافق، إلى جانب الدعم النفسي والاجتماعي وفرص التعليم والعمل.
الطفولة بين الفقد والإصابة والانقطاع عن التعليم
وتشير الورقة إلى أن الأطفال من أكثر الفئات تضرراً، مستعرضة بيانات تفيد باستشهاد ما لا يقل عن 21,700 طفل وإصابة نحو 45 ألفاً حتى 30 يونيو 2026، من بينهم أكثر من 11 ألف طفل بإصابات مغيرة للحياة. وتوضح أن معاناة الأطفال تمتد إلى فقدان الوالدين أو الأقارب والأصدقاء، والنزوح المتكرر، وسوء التغذية، والانقطاع عن التعليم، وفقدان الشعور بالأمان.
وفي مجال الصحة النفسية، تورد الورقة أن قرابة تسعة من كل عشرة أطفال جرى استطلاعهم خلال عام 2026 أفادوا بالحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي. وتشدد «حشد» على ضرورة إدماج هذا الدعم في برامج التعليم والصحة والحماية، وعدم التعامل معه بوصفه تدخلاً ثانوياً يمكن تأجيله.
وتوضح الورقة أن الدمار التعليمي يهدد بخسائر طويلة الأمد في المهارات وفرص العمل والتنمية. وبحسب بيانات يوليو 2025 التي تستعرضها، تعرضت نحو 97% من المدارس لدرجة من الضرر، وكانت 518 مدرسة من أصل 564 بحاجة إلى إعادة بناء كاملة أو تأهيل كبير لتصبح صالحة للعمل.
كما تورد أن 22 حرماً جامعياً دُمرت بالكامل، وتضرر 14 آخر بدرجات متفاوتة، من أصل 38 حرماً شملها التقييم. وتؤكد الهيئة أن استعادة التعليم تستلزم إعادة تأهيل المؤسسات وتعويض الفاقد التعليمي ودعم الطلبة والمعلمين، وليس الاكتفاء بإعادة فتح المباني.
منظومة صحية منهكة وأعباء متزايدة على الأسر
وفي القطاع الصحي، تشير الورقة إلى أن 19 مستشفى فقط من أصل 36 كانت تعمل بصورة جزئية حتى سبتمبر 2026، دون وجود مستشفى يعمل بكامل طاقته، مع نقص حاد في الأدوية والمعدات والوقود.
وتحذر «حشد» من انعكاس ذلك على مرضى السرطان والكلى والأمراض المزمنة، وعلى النساء الحوامل وحديثي الولادة، فضلاً عن الجرحى المحتاجين إلى جراحات متخصصة وإعادة تأهيل. وتؤكد أن استعادة الخدمات الصحية تحتاج إلى تأمين مستلزمات التشغيل واستمرار العلاج، بالتوازي مع إعادة تأهيل المرافق.
وتتناول الورقة التحولات التي أصابت بنية الأسرة، مشيرة إلى أن نحو 86,290 أسرة أصبحت ترأسها نساء، أي قرابة أسرة واحدة من كل أربع أسر، مقارنة بنحو أسرة من كل تسع قبل الحرب. وتوضح أن هذه الفئة لا تضم الأرامل فقط، بل تشمل نساءً أزواجهن مفقودون أو محتجزون أو مصابون بإصابات شديدة أو غير معروف مصيرهم.
وترى الهيئة أن فقدان المعيل وتراجع الخدمات نقلا أعباء إضافية إلى الأسر، خصوصاً النساء، في ظل الفقر والنزوح وانعدام الخصوصية وصعوبة الوصول إلى الرعاية. وتدعو إلى ربط المساعدات الطارئة بالحماية الاجتماعية والدعم القانوني والنفسي والتمكين الاقتصادي.
النزوح والدمار السكني ومخاطر الركام
وبحسب التقييمات التي تعرضها الورقة، تعرض نحو 1.9 مليون فلسطيني للنزوح داخل قطاع غزة، وكثير منهم مرات متعددة، فيما فقد أكثر من 60% من السكان منازلهم. وتستعرض الورقة تقديراً بتدمير أو تضرر أكثر من 371,888 وحدة سكنية.
وتشير أيضاً إلى أن تقييم المنشآت حتى 16 يونيو 2026 رصد تضرر نحو 201,290 منشأة، بما يقارب 82% من منشآت القطاع، بينها 134,422 منشأة مصنفة مدمرة. وتوضح أن أعداد الوحدات السكنية والمنشآت تعكس فئات وتقييمات مختلفة، ولا تمثل مؤشراً واحداً يمكن جمعه.
وتؤكد «حشد» أن أزمة السكن تتجاوز خسارة المنزل إلى الاكتظاظ وفقدان الخصوصية والتعرض للبرد والحرارة والأمطار، وصعوبة الوصول إلى المياه والكهرباء والصرف الصحي. كما أن العودة إلى المناطق المدمرة لا تعني بالضرورة العودة إلى بيئة آمنة أو صالحة للعيش.
وتستعرض الورقة تقديرات بوجود ما لا يقل عن 61 مليون طن من الركام، مع تقديرات أحدث تتجاوز ذلك عند احتساب الركام والمواد الملوثة. وتحذر من مخاطر الأسـبستوس والمواد الخطرة والذخائر غير المنفجرة، بما يهدد السكان والعائدين وعمال الإنقاذ وإزالة الأنقاض والبناء.
وتشدد الهيئة على أن إزالة الركام يجب أن تتم ضمن إجراءات متخصصة تراعي سلامة السكان والعاملين، وانتشال الضحايا، والتعامل الآمن مع المواد الخطرة ومخلفات الذخائر.
المياه والغذاء والزراعة والاقتصاد
وفي قطاع المياه، تورد الورقة أن نحو 74% من سكان غزة يعتمدون على مياه الشرب المنقولة بالشاحنات، وفق بيانات أكتوبر 2026 التي تستعرضها. كما تشير إلى خروج محطات معالجة مياه الصرف الصحي الست عن الخدمة وتعطل نحو 70% من محطات الضخ، بما يزيد مخاطر تلوث المياه وانتشار الأمراض.
وتؤكد الهيئة أن استعادة المياه والصرف الصحي تتطلب إصلاح الشبكات وتشغيل المحطات وتأمين الكهرباء والوقود وقطع الغيار، وعدم الاكتفاء باستدامة الحلول الطارئة دون معالجة أسباب انهيار الخدمات.
وفي مجال الغذاء، توضح الورقة أن تحسن الإمدادات في بعض الفترات ظل هشاً، وأن المشكلة لا تتعلق بتوفر الطعام وحده، بل بتدمير القدرة المحلية على إنتاجه. وتشير إلى أنه حتى 24 يونيو 2026 لم يبقَ سوى نحو 3% من الأراضي الزراعية متاحاً وغير متضرر في الوقت نفسه، فيما كانت مساحات أخرى قابلة للوصول لكنها تحتاج إلى إعادة تأهيل.
كما تتناول تضرر الصيد والمنشآت الساحلية والمعدات الزراعية والآبار والبيوت البلاستيكية، وما ترتب عليه من فقدان مصادر الغذاء والدخل لآلاف الأسر. وترى «حشد» أن دعم الزراعة والصيد واستعادة الإنتاج المحلي جزء أساسي من معالجة الاعتماد الممتد على المساعدات.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تستعرض الورقة تقديرات تشير إلى بلوغ البطالة نحو 78% خلال عام 2025، واستمرار تعطل قطاعات إنتاجية واسعة وتدمير المنشآت والمعدات والمخزون وسلاسل التوريد. وتوضح أن قدرة الفرد على العمل لا تكفي ما دام يفتقر إلى مكان العمل ورأس المال والكهرباء والمواد الخام والسوق ووسائل النقل.
وبحسب تقييم الأضرار والاحتياجات الذي توردُه الورقة، قُدّرت الأضرار المادية المباشرة بنحو 35.2 مليار دولار، والخسائر الاقتصادية والاجتماعية بنحو 22.7 مليار دولار، فيما بلغت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار نحو 71.4 مليار دولار على مدى عشر سنوات، منها 26.3 مليار دولار خلال أول 18 شهراً. وتؤكد الهيئة أن هذه فئات تقديرية مختلفة، وأن الاحتياجات المستقبلية لا تُختزل في قيمة الأضرار المباشرة.
التعافي يتطلب إعادة بناء المجتمع لا المباني وحدها
وتخلص الورقة إلى أن آثار الحرب تتراكم في خسائر بشرية وصحية وأسرية وسكنية وتعليمية واقتصادية وتنموية، يصعب فصلها عن بعضها. كما تتناول خسائر الثقافة والتراث والأرشيفات والذاكرة المكانية، وتفكك الأحياء وشبكات الجيرة والرعاية، وهي أضرار لا تستطيع التقديرات المالية الإحاطة بها بالكامل.
وتؤكد الهيئة الدولية «حشد» أن الاستجابة المطلوبة يجب أن تجمع بين حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات، وإعادة تشغيل المستشفيات، وتأمين السكن، وإزالة الركام ومخلفات الذخائر، واستعادة التعليم والمياه والطاقة، وإحياء الزراعة والصيد والأسواق وفرص العمل.
كما تشدد على إعطاء الأولوية للأطفال والنساء والأسر التي فقدت معيلها والمصابين والأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن، وضمان مشاركتهم في تحديد احتياجات التعافي، حتى لا تتحول إعادة الإعمار إلى عملية منفصلة عن حقوق المتضررين.
وتختتم «حشد» بالتأكيد على أن إعادة بناء غزة ليست مشروعاً عمرانياً فقط، بل مسار لاستعادة الحياة والكرامة والأمان والقدرة على التعلم والعمل والإنتاج، وأن أي خطة للتعافي تظل منقوصة ما لم تعالج الإنسان والأسرة والمجتمع، بالتوازي مع إعادة بناء المؤسسات والخدمات والبنية التحتية.



