
الانتخابات الفلسطينية حق دستوري واستحقاق وطني طال انتظاره لتجديد الشرعيات وإنهاء الانقسام وإصلاح النظام السياسي، لكنها لن تحقق أهدافها ما لم تكن شاملة ومتزامنة ونزيهة
التاريخ:15 يوليو 2026
بيان صحفي
الانتخابات الفلسطينية حق دستوري واستحقاق وطني طال انتظاره لتجديد الشرعيات وإنهاء الانقسام وإصلاح النظام السياسي، لكنها لن تحقق أهدافها ما لم تكن شاملة ومتزامنة ونزيهة
تتابع الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد) باهتمام بالغ التطورات المتعلقة بالاستحقاقات الانتخابية الفلسطينية، وفي مقدمتها إصدار المرسوم الرئاسي القاضي بإجراء انتخابات المجلس التشريعي في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، وما رافقه من تعديلات على قانون الانتخابات العامة، واعتماد النظام الانتخابي للمجلس الوطني الفلسطيني، وما أثارته هذه الخطوات من نقاشات سياسية ودستورية وحقوقية واسعة بشأن مستقبل النظام السياسي الفلسطيني وآفاق تجديد الشرعيات وإعادة بناء مؤسسات التمثيل الوطني.
وتأتي هذه التطورات في أخطر مرحلة يمر بها الشعب الفلسطيني، في ظل استمرار حرب الإبادة الجماعية والتجويع والتهجير القسري في قطاع غزة، وتصاعد سياسات الاستيطان والضم والتهويد والتطهير العرقي في الضفة الغربية بما فيها القدس المحتلة، واستمرار محاولات تصفية قضية اللاجئين وحق العودة، وإعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني بما يخدم مخططات الاحتلال ويضعف وحدة الشعب الفلسطيني ومؤسساته الوطنية، الأمر الذي يؤكد أن وقف حرب الإبادة، ورفع الحصار، وحماية المدنيين، والتصدي للاستيطان والضم، ومحاسبة الاحتلال على جرائمه، تبقى أولوية وطنية وإنسانية وقانونية لا تحتمل التأجيل.
وفي الوقت ذاته، تؤكد الهيئة أن استمرار تعطيل الحياة الديمقراطية لأكثر من ستة عشر عاماً، وحل المجلس التشريعي، وتآكل الشرعية الديمقراطية، وإضعاف المؤسسات الدستورية، وغياب الرقابة والمساءلة، كلها عوامل أسهمت في تعميق الأزمة السياسية الفلسطينية، وأضعفت ثقة المواطنين بالنظام السياسي، الأمر الذي يجعل تجديد الشرعيات استحقاقاً دستورياً ووطنياً لا يجوز الاستمرار في تأجيله.
وتؤكد الهيئة أن الانتخابات العامة حق دستوري وسياسي أصيل كفله القانون الأساسي الفلسطيني، وإعلان الاستقلال، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وهي الوسيلة الديمقراطية الطبيعية لتجديد الشرعيات، وتعزيز المشاركة الشعبية، وترسيخ التداول السلمي للسلطة، وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم.
غير أن الانتخابات ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لخدمة المشروع الوطني الفلسطيني، ويقاس نجاحها بقدرتها على إنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات، وتجديد الشرعيات، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشراكة الوطنية، والتعددية السياسية، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، واحترام الإرادة الشعبية، وليس بمجرد إجراء الاقتراع أو إعلان النتائج او هندسة النظام وفقا لرؤية احادية .
وترى الهيئة أن الأزمة الفلسطينية الراهنة ليست أزمة غياب انتخابات فحسب، وإنما أزمة بنيوية تمس النظام السياسي برمته، في ظل استمرار الانقسام، وحالة التفرد في قرار السلم والحرب ، وتراجع فاعلية المؤسسات الدستورية، وتداخل المرجعيات بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية ودولة فلسطين، واستمرار إدارة الشأن العام بقرارات وإجراءات أحادية، الأمر الذي يجعل أي عملية انتخابية منفصلة عن إصلاح سياسي شامل معرضة لأن تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الأزمة بدلاً من معالجتها.
كما تؤكد الهيئة أن التجربتين الفلسطينيتين في عامي 2006 و2021 أثبتتا أن إصدار المراسيم وحده لا يكفي لإنجاح الانتخابات، وأن غياب الضمانات الدستورية والسياسية، وعدم معالجة العقبات المتعلقة بالقدس وقطاع غزة، سيؤدي إلى تعطيل العملية الانتخابية أو إدخال النظام السياسي في أزمات جديدة.
وترى الهيئة أن قرار إجراء الانتخابات، رغم كل التعقيدات، والتحديات الوطنية، يمكن أن يشكل مدخلاً لإعادة بناء الشرعية الوطنية وإطلاق عملية إصلاح سياسي حقيقية، شريطة ألا يتحول إلى استجابة شكلية لضغوط خارجية أو محاولة لإعادة إنتاج الواقع القائم. فالانتخابات يجب أن تكون تعبيراً عن الإرادة الحرة للشعب الفلسطيني، لا مجرد استحقاق إجرائي أو وسيلة لتحسين صورة النظام السياسي أمام المجتمع الدولي.
وفي هذا السياق، تؤكد الهيئة أن الاحتكام إلى الإرادة الشعبية هو أساس الشرعية في أي نظام ديمقراطي، وأن استمرار اشتراط التوافق الشامل بين الفصائل قبل العودة إلى صناديق الاقتراع يعني عملياً استمرار تعطيل الحياة الديمقراطية وإدامة الأزمة القائمة. فالتوافق الحقيقي يجب أن يكون على قواعد العملية الديمقراطية وضماناتها واحترام نتائجها، لا على تقاسم النفوذ أو تأجيل الاحتكام إلى إرادة الشعب.
وترحب الهيئة بكل تعديل قانوني من شأنه توسيع المشاركة السياسية وتعزيز التمثيل الديمقراطي، لكنها تعرب عن قلقها من أي نصوص أو شروط قد تؤدي إلى تقييد الحق في الترشح أو الانتخاب، أو فرض قيود فضفاضة قد تستخدم لإقصاء أي طرف سياسي، بما يتعارض مع القانون الأساسي الفلسطيني والمعايير الدولية للانتخابات الحرة والنزيهة.
كما تؤكد الهيئة أن تجديد الشرعية ينبغي أن يشمل جميع المؤسسات الدستورية، وأن الأصل هو إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بصورة متزامنة وفي يوم واحد، مع اعتماد جدول زمني واضح وملزم لاستكمال انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، لأن تجزئة الانتخابات تحرم المؤسسات من شرعية متجددة في الوقت نفسه، وتطيل أمد الأزمة الدستورية، وترفع الكلفة المالية والإدارية، وتضعف ثقة المواطنين بالعملية الانتخابية.
وفيما يتعلق بالمجلس الوطني الفلسطيني، تؤكد الهيئة أن إعادة بنائه تمثل مدخلاً أساسياً لإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية وتعزيز شرعيتها التمثيلية، وأن الأصل هو الانتخاب الحر والمباشر للفلسطينيين في الوطن والشتات كلما أمكن، مع اعتماد وسائل حديثة، بما فيها التسجيل والتصويت الإلكتروني أو الهجين حيثما تسمح الظروف، بما يضمن أوسع مشاركة ممكنة، وعدم تحويل التعيينات أو المجمعات الانتخابية إلى بديل دائم عن الإرادة الشعبية.
كما تؤكد أن الفلسطينيين في الشتات يشكلون ركناً أصيلاً من الشعب الفلسطيني، وأن تمثيلهم العادل في المجلس الوطني يمثل ضمانة لحماية وحدة الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية، وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير.
وتشدد الهيئة على أن القدس المحتلة تمثل الاختبار الحقيقي لأي عملية انتخابية فلسطينية، وأن مشاركة المقدسيين ترشحاً واقتراعاً ودعاية انتخابية حق سياسي وقانوني غير قابل للتصرف، ولا يجوز السماح للاحتلال الإسرائيلي بوضع فيتو علي اجراء الانتخابات الفلسطينية عبر منعها في القدس ، الأمر الذي يستوجب إعداد خطة وطنية وقانونية ودبلوماسية مسبقة لضمان مشاركة المقدسيين.
وترى الهيئة أن نجاح الانتخابات يتطلب تهيئة بيئة ديمقراطية حقيقية تقوم على احترام الحقوق والحريات العامة، وحرية الرأي والتعبير والتنظيم والعمل السياسي، ووقف الاعتقالات السياسية والملاحقات على خلفية الرأي أو الانتماء السياسي، وضمان استقلال القضاء، واستقلال لجنة الانتخابات المركزية، وحياد مؤسسات السلطة، ومنع استغلال المال العام والإعلام الرسمي والوظيفة العامة للتأثير في إرادة الناخبين، وضمان الرقابة الوطنية والدولية واحترام نتائج الانتخابات.
وتؤكد الهيئة أن نجاح العملية الانتخابية يتطلب الاتفاق المسبق على حزمة من الضمانات الوطنية والدستورية، وفي مقدمتها:
- أن تكون الانتخابات مدخلاً لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية وتجديد الشرعيات، لا وسيلة لإعادة إنتاج الأزمة أو تكريس الانقسام.
- إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بصورة متزامنة وفي يوم واحد، مع جدول زمني ملزم لاستكمال انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني.
- الالتزام الكامل باحترام نتائج الانتخابات والاحتكام إلى القانون والحوار الديمقراطي في معالجة أي خلافات أو طعون.
- الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية أو حكومة توافق وطني بعد الانتخابات تعكس نتائج صناديق الاقتراع وتعزز وحدة النظام السياسي.
- تحييد جميع مؤسسات السلطة عن التجاذبات السياسية، وتعزيز استقلال السلطة القضائية، وإعادة النظر في الإطار الناظم للرقابة الدستورية بما يكفل استقلالها الكامل، ويحول دون استخدامها لتعطيل الإرادة الشعبية أو حل المؤسسات المنتخبة خارج أحكام القانون الأساسي، وبما يمنع تكرار أزمة حل المجلس التشريعي بقرار المحكمة الدستورية بصيغتها السابقة.
- اعتماد حلول قانونية وتشريعية تضمن استمرار عمل المجلس التشريعي المنتخب إذا أقدم الاحتلال على اعتقال عدد من أعضائه أو إعاقتهم عن أداء مهامهم، حمايةً للإرادة الشعبية.
- مراجعة النظام الانتخابي للمجلس الوطني بما يضمن تمثيلاً ديمقراطياً عادلاً للفلسطينيين في الوطن والشتات.
- ضمان مشاركة القدس في جميع مراحل العملية الانتخابية، وعدم السماح للاحتلال بتعطيلها.
- توفير بيئة ديمقراطية قائمة على احترام الحقوق والحريات، وحياد مؤسسات السلطة، وتكافؤ الفرص بين جميع القوائم والمرشحين.
- تمكين لجنة الانتخابات المركزية من أداء مهامها باستقلال كامل، وتوفير الإمكانات القانونية والإدارية والمالية اللازمة لنجاح الانتخابات.
- تعزيز المشاركة السياسية للمرأة والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة، وضمان ألا تقل نسبة تمثيل النساء عن (30%) في النتائج النهائية.
- دعوة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي وسائر الأطراف الدولية إلى تحمل مسؤولياتها في حماية العملية الديمقراطية الفلسطينية، والضغط على سلطات الاحتلال لعدم عرقلتها، وتوفير الدعم الفني والرقابي اللازم لإنجاحها.
وتؤكد الهيئة أن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على إجراء الانتخابات، وإنما يشمل إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وتجسيد مؤسسات الدولة، ولحينها لابد من إصلاح مؤسسات السلطة عبر تعزيز مباديء سيادة القانون والفصل بين السلطات، وإحياء الحياة البرلمانية، وترسيخ مبادئ المساءلة والشفافية، وضمان التداول السلمي للسلطة، وإعادة الاعتبار للإرادة الشعبية بوصفها المصدر الوحيد للشرعية.
كما ترى الهيئة أن الانتخابات يجب ألا تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الأزمة أو تكريس الانقسام، بل إلى نقطة انطلاق نحو عقد وطني جديد يقوم على الشراكة والتعددية وسيادة القانون، ويعيد بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم، ويعزز وحدة الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
وتؤكد الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد) أن حماية الديمقراطية الفلسطينية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حماية المشروع الوطني الفلسطيني. فالانتخابات ليست مجرد صناديق اقتراع، بل مدخل لإعادة بناء الشرعية الوطنية، وتجديد الثقة بين الشعب ومؤسساته، وإنهاء الانقسام، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، بما فيها مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية وتمثيلية، بما يعزز صمود الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال والاستعمار الاستيطاني والإبادة الجماعية، ويمكنه من مواصلة نضاله المشروع حتى نيل حقوقه غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق تقرير المصير، وحق العودة، وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس.



