
من عدوان 2014 إلى الإبادة الجماعية في غزة… أحد عشر عاماً من الإفلات من العقاب وفشل المجتمع الدولي في إنفاذ العدالة
التاريخ: 7 يوليو 2026
بيان صحفي
من عدوان 2014 إلى الإبادة الجماعية في غزة… أحد عشر عاماً من الإفلات من العقاب وفشل المجتمع الدولي في إنفاذ العدالة
تتابع الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد)، ببالغ القلق والإدانة، استمرار حرب الإبادة الجماعية التي تشنها دولة الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي دخلت عامها الثالث، في ظل تصعيد غير مسبوق لجرائم القتل الجماعي، والتجويع الممنهج، والتدمير الشامل، والتهجير القسري، والاستهداف المنهجي للمدنيين والأعيان المدنية، في انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة، والقانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، واتفاقيات جنيف الأربع، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وتأتي الذكرى السنوية للعدوان الإسرائيلي واسع النطاق على قطاع غزة عام 2014، الذي استمر واحداً وخمسين يوماً، وأسفر عن استشهاد أكثر من (2250) فلسطينياً وإصابة ما يزيد على (11000) آخرين، وتدمير آلاف المنازل والمنشآت المدنية والبنية التحتية، لتعيد التذكير بحقيقة قانونية وسياسية باتت ثابتة، وهي أن الإفلات من العقاب كان ولا يزال العامل الرئيس في تكرار الجرائم الإسرائيلية وتصاعدها، وصولاً إلى جريمة الإبادة الجماعية التي يشهدها العالم اليوم.
لقد وثقت لجان التحقيق الدولية، وهيئات الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والمنظمات الحقوقية الدولية والفلسطينية، الجرائم الجسيمة التي ارتكبت خلال عدوان عام 2014، ودعت إلى مساءلة مرتكبيها وإنصاف الضحايا. غير أن غياب الإرادة السياسية الدولية، وعجز المجتمع الدولي عن تنفيذ توصيات تلك اللجان، وازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي، حال دون محاسبة المسؤولين الإسرائيليين، ورسخ سياسة الإفلات من العقاب، ومنح سلطات الاحتلال شعوراً دائماً بالحصانة، شجعها على مواصلة ارتكاب الجرائم الدولية بحق الشعب الفلسطيني.
وتؤكد الهيئة الدولية (حشد) أن الإبادة الجماعية الجارية ليست حدثاً منفصلاً عن سياق الجرائم السابقة، وإنما تمثل النتيجة الطبيعية لعقود من الفشل الدولي في إنفاذ القانون الدولي، والتهاون في محاسبة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. فكل جريمة مرت دون عقاب، وكل تقرير أممي بقي حبراً على ورق، وكل قرار دولي عُطل أو جرى تجاهله، أسهم في بناء بيئة سياسية وقانونية شجعت سلطات الاحتلال على الانتقال من سياسة العدوان المتكرر إلى اعتماد الإبادة الجماعية والتدمير الشامل والتجويع والتهجير القسري أدواتٍ لتحقيق مشروعها الاستعماري.
لقد أثبتت التجربة الفلسطينية أن الإفلات من العقاب لم يعد مجرد نتيجة لعجز العدالة الدولية، بل أصبح سبباً مباشراً في إنتاج جرائم دولية أكثر جسامة. فالعدالة الغائبة لم تمنع تكرار الجرائم، وإنما شجعت على ارتكاب جرائم أشد خطورة، حتى بلغ الأمر تنفيذ إبادة جماعية تُرتكب أمام مرأى ومسمع العالم، في تحدٍ غير مسبوق لمنظومة الأمم المتحدة، ولميثاقها، وللقواعد الآمرة في القانون الدولي. ومن ثم، فإن الإبادة الجماعية الجارية لم تكن مفاجأة، بل كانت النتيجة المنطقية لعقدين من الإفلات من العقاب، والإخفاق في تنفيذ قواعد القانون الدولي، والتقاعس عن مساءلة الجناة.
وتشير المعطيات الميدانية إلى استشهاد أكثر من (73,025) فلسطينياً، وإصابة أكثر من (173,368) آخرين، إضافة إلى عشرات الآلاف من المفقودين تحت الأنقاض، فيما تجاوز إجمالي الضحايا (300 ألف) بين شهيد وجريح ومفقود، معظمهم من الأطفال والنساء وكبار السن. كما تعرض قطاع غزة لتدمير واسع طال المدن والأحياء السكنية، والمستشفيات، والمدارس، والجامعات، ومرافق المياه والكهرباء والصرف الصحي، ودور العبادة، والمقار الإنسانية، بما أدى إلى انهيار شبه كامل لمقومات الحياة.
وفي موازاة ذلك، تواصل دولة الاحتلال استخدام التجويع والحصار والإغلاق ومنع دخول الغذاء والدواء والوقود والمساعدات الإنسانية كسلاح حرب، واستهداف المستشفيات وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية والصحفيين وموظفي الإغاثة ومراكز الإيواء، في انتهاك جسيم لاتفاقيات جنيف الأربع، وللتدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية، وللقواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني.
كما تواصل سلطات الاحتلال تنفيذ سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديمغرافي في قطاع غزة، من خلال أوامر الإخلاء القسري، وفرض النزوح الجماعي، وتوسيع المناطق العسكرية العازلة، والسيطرة على مساحات واسعة من القطاع، واستهداف وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، في إطار مخطط يهدف إلى فرض وقائع استعمارية جديدة، وتقويض مقومات الوجود الفلسطيني، وتهيئة البيئة لعمليات الضم والتهجير القسري.
وفي الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، تتواصل جرائم الاحتلال من خلال القتل خارج نطاق القانون، والاعتقالات الجماعية، والتوسع الاستيطاني، واعتداءات المستوطنين، وهدم المنازل، وفرض العقوبات الجماعية، بما يؤكد أن الشعب الفلسطيني يتعرض لسياسة استعمارية واحدة تقوم على الضم، والفصل العنصري، والتطهير العرقي، وإنكار حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير.
ولا يقتصر الخطر الذي تكشفه الإبادة الجماعية الجارية على حجم الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، بل يمتد إلى ما تمثله من تهديد غير مسبوق لمنظومة القانون الدولي ذاتها. فاستمرار الجرائم رغم التدابير الملزمة الصادرة عن محكمة العدل الدولية، واستمرار تجاهل قرارات الأمم المتحدة، واستمرار تدفق الأسلحة والدعم السياسي والعسكري لدولة الاحتلال، يكشف عن أزمة عميقة في نظام الحماية الجماعية الذي أُنشئ لمنع جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، ويؤكد أن الانتقائية وازدواجية المعايير أصبحتا من أبرز أسباب تقويض العدالة الدولية وإضعاف الثقة بها.
وتؤكد الهيئة الدولية (حشد) أن استمرار بعض الدول في تزويد دولة الاحتلال الإسرائيلي بالأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية، أو تقديم الغطاء السياسي والدبلوماسي لها، رغم علمها بالمخاطر الجدية لوقوع جريمة الإبادة الجماعية، ورغم التدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية، يثير مسؤوليتها القانونية الدولية بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، ويشكل إخلالاً بالتزامها بمنع الجريمة وعدم تقديم أي شكل من أشكال المساعدة أو الدعم الذي يسهم في استمرارها.
وإذ تؤكد الهيئة الدولية (حشد) أن المسؤولية الجنائية الفردية تقع على عاتق القادة والمسؤولين الإسرائيليين المتورطين في التخطيط والتحريض والتنفيذ لهذه الجرائم، فإنها تشدد في الوقت ذاته على أن مسؤولية الدول لا تقف عند حدود الامتناع عن المشاركة في الجريمة، وإنما تمتد إلى الالتزام القانوني بمنعها، واتخاذ جميع التدابير الممكنة لوقفها، وعدم تقديم أي دعم سياسي أو عسكري أو اقتصادي أو مالي أو لوجستي من شأنه أن يسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في استمرار الجرائم الدولية، وذلك عملاً باتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والقواعد الآمرة في القانون الدولي.
إن أخطر ما أفرزته التجربة الفلسطينية خلال العقود الماضية هو أن الإفلات من العقاب تحول من نتيجة لفشل العدالة الدولية إلى سبب مباشر لإنتاج جرائم دولية أكثر خطورة. فالمجتمع الدولي الذي لم ينفذ توصيات لجان التحقيق الدولية بعد عدوان عام 2014، ولم يفرض التدابير والعقوبات الكفيلة بردع الاحتلال، ولم يوفر الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، يتحمل اليوم مسؤولية سياسية وأخلاقية وقانونية عن استمرار الجريمة، وعن الإخفاق في الوفاء بالتزاماته بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، واتفاقيات جنيف، وميثاق الأمم المتحدة.
وتؤكد الهيئة الدولية (حشد) أن العدالة ليست شعاراً سياسياً أو خياراً انتقائياً، وإنما التزام قانوني دولي يقع على عاتق جميع الدول ومؤسسات العدالة الدولية. كما تؤكد أن وقف إطلاق النار، رغم أهميته، لا يكفي لوضع حد للجريمة في ظل استمرار القتل الجماعي والتجويع والتهجير والتدمير، ما لم يقترن بمساءلة جنائية دولية فعالة، وإنهاء الاحتلال والاستعمار الاستيطاني، وجبر ضرر الضحايا، وضمان عدم التكرار، وإنفاذ قواعد القانون الدولي دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير. وإذا تشدد بان العالم يقف اليوم أمام اختبار تاريخي وحاسم؛ فإما أن ينتصر لسيادة القانون الدولي ويعيد الاعتبار لمنظومة العدالة الدولية من خلال محاسبة مرتكبي جريمة الإبادة الجماعية وسائر الجرائم الدولية المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، وإما أن يسمح باستمرار سياسة الإفلات من العقاب وشريعة الغاب ، بما يقوض النظام القانوني الدولي، ويهدد السلم والأمن الدوليين، ويفتح الباب أمام تكرار الإبادة الجماعية في أماكن أخرى من العالم. لقد أثبتت التجربة الفلسطينية أن العدالة المؤجلة لا تمنع الجريمة، بل تشجع على تكرارها، وأن الإفلات من العقاب لم يكن مجرد نتيجة للإبادة الجماعية، وإنما كان أحد أهم أسباب وقوعها واستمرارها، واذ تجدد الهيئة الدولية (حشد) تأكيدها أن حماية القانون الدولي تبدأ بإنهاء سياسة الإفلات من العقاب، وأن محاسبة مرتكبي جريمة الإبادة الجماعية وسائر الجرائم الدولية، وإنصاف الضحايا، وإنهاء الاحتلال والاستعمار الاستيطاني، وضمان عدم التكرار، ليست مطالب سياسية فحسب، بل التزامات قانونية دولية واجبة النفاذ. وإن أي تقاعس عن الوفاء بهذه الالتزامات لن يقتصر أثره على استمرار معاناة الشعب الفلسطيني، بل سيقوض منظومة العدالة الدولية، ويشجع على ارتكاب مزيد من الجرائم الدولية، ويهدد السلم والأمن الدوليين، ويجعل من الإفلات من العقاب قاعدةً بدلاً من أن يبقى الاستثناء.
وانطلاقاً من ذلك، تدعو الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد) الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والجمعية العامة للأمم المتحدة، والدول الأطراف في اتفاقيات جنيف الأربع، والدول الأطراف في نظام روما الأساسي، وجميع الدول، إلى التحرك الفوري واتخاذ إجراءات عملية وملزمة من أجل:
الوقف الفوري والدائم لحرب الإبادة الجماعية والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وضمان وقف شامل لإطلاق النار والالتزام به.
إلزام دولة الاحتلال الإسرائيلي بالتنفيذ الفوري والكامل للتدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية، وضمان تنفيذ أوامر التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق جميع المسؤولين المشتبه بارتكابهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية.
فرض عقوبات دولية شاملة وفعالة على دولة الاحتلال الإسرائيلي، تشمل حظر توريد ونقل الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية، وتعليق التعاون العسكري والأمني، ومراجعة اتفاقيات الشراكة والتعاون، واتخاذ تدابير اقتصادية ودبلوماسية رادعة إلى حين امتثالها الكامل للقانون الدولي.
وقف جميع أشكال الدعم السياسي والعسكري والمالي والاقتصادي والدبلوماسي التي تسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في استمرار الجرائم الدولية، التزاماً بالواجب القانوني بمنع جريمة الإبادة الجماعية.
إنهاء سياسة الحصار والتجويع فوراً، وفتح جميع المعابر بصورة دائمة وغير مشروطة، وضمان التدفق الحر والآمن والمستدام للمساعدات الإنسانية، والمواد الغذائية، والأدوية، والوقود، والمستلزمات الطبية، ومواد الإيواء وإعادة الإعمار.
وقف جميع سياسات التهجير القسري والتطهير العرقي والتغيير الديمغرافي والجغرافي، وضمان عودة السكان إلى مناطقهم ومنازلهم، والشروع في إعادة إعمار قطاع غزة دون أي شروط سياسية أو أمنية.
توفير حماية دولية عاجلة وفعالة للمدنيين الفلسطينيين، وإيفاد بعثات ولجان تحقيق الدولية لتوثيق الجرائم، وحفظ الأدلة، وضمان عدم إفلات مرتكبيها من العقاب.
حماية وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وضمان استمرار ولايتها القانونية وتأمين التمويل المستدام لها، ورفض جميع الإجراءات الرامية إلى تقويض دورها أو استبداله.
تفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية، ودعوة جميع الدول إلى فتح تحقيقات وملاحقات قضائية بحق المسؤولين الإسرائيليين المتورطين في الجرائم الدولية، وتجميد أصولهم، وفرض قيود على تنقلهم، ومنع إفلاتهم من العدالة.
إطلاق مسار دولي ملزم لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني والاستعمار الاستيطاني ونظام الفصل العنصري، وتنفيذ الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، بما يكفل تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير مصيره، وتجسيد دولته الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وضمان حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة والتعويض واسترداد ممتلكاتهم وفقاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
انتهى



