أوراق حقائقاخبار صحفية

«حشد»: انهيار منظومة العدالة في غزة يهدد حقوق المواطنين.. ولا إعمار مستقراً دون قضاء مستقل وحماية السجلات والملكية

التاريخ: 19 أكتوبر 2026

خبر صحافي

«حشد»: انهيار منظومة العدالة في غزة يهدد حقوق المواطنين.. ولا إعمار مستقراً دون قضاء مستقل وحماية السجلات والملكية

أصدرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني «حشد» ورقة بعنوان «واقع منظومة العدالة في قطاع غزة وتحديات إعادة بنائها في إطار الحوكمة وحماية حقوق المواطنين»، تتناول الدمار الذي أصاب مرافق القضاء والنيابة والمحاماة والسجلات، وتداعيات تعطّل الخدمات العدلية على حقوق السكان، وتطرح مساراً مرحلياً لإعادة بناء المنظومة على أسس الاستقلال والنزاهة ووحدة المرجعية القانونية.

وتؤكد الهيئة أن انهيار منظومة العدالة لا يعني تعطّل المحاكم وحدها، بل حرمان المواطنين من الوسيلة الأساسية لحماية حقوقهم في الحرية والملكية والسكن والأسرة، والوصول إلى الإنصاف عند انتهاكها. وتشدد على أن استعادة العدالة يجب أن تكون جزءاً أصيلاً من الاستجابة والتعافي، لا ملفاً مؤجلاً إلى ما بعد إعادة الإعمار.

وتوضح الورقة أن الحرب على قطاع غزة ضاعفت اختلالات سبقتها، شملت الانقسام السياسي والقانوني، وازدواجية المرجعيات التشريعية والقضائية، وضعف الموارد، وتراكم القضايا، ومحدودية الأرشفة الإلكترونية. وترى أن إعادة بناء المنظومة لا ينبغي أن تعني استعادة ما كان قائماً دون مراجعة، بل معالجة أسباب الهشاشة التي أضعفت استقلال القضاء وكفاءة الخدمات وثقة المواطنين.

دمار واسع يطال مرافق العدالة ووثائق الحقوق

وبحسب التقييم الذي تستعرضه الورقة، دُمّر نحو 90% من مرافق الحوكمة وسيادة القانون في قطاع غزة، وقُدّرت الأضرار المادية لهذه المرافق بنحو 240.4 مليون دولار، فيما بلغت كلفة إعادة بناء قطاع العدالة والحوكمة والإدارة نحو 526.7 مليون دولار. وتوضح هذه الأرقام حجم الدمار في القطاع الأوسع، ولا تقتصر على مباني المحاكم وحدها.

وتتناول الورقة نسف مبنى المحاكم الرئيسي في غزة، وقصف مقر نقابة المحامين وإتلاف أرشيفها الرسمي، إلى جانب الأضرار التي أصابت مرافق قضائية وأمنية وإصلاحية وسجلات مدنية وعقارية.

وتؤكد «حشد» أن تدمير الوثائق لا يمثل خسارة إدارية فقط، بل يهدد قدرة المواطنين على إثبات الهوية والنسب والزواج والوفاة والميراث والملكية، ويعقّد الحصول على التعويض واستعادة الحقوق والعودة إلى المساكن والأراضي.

كما تشير الورقة إلى تشتت القضاة والمحامين والعاملين في المرفق العدلي بين مناطق النزوح، وعمل كثير منهم دون مقرات أو ملفات أو وسائل اتصال كافية، بما أدى إلى تعطّل قضايا الأحوال الشخصية والمنازعات المدنية والجزائية، وتأخر الفصل في قضايا الموقوفين.

وتلفت إلى عدم توافر أرقام رسمية موثقة في المصادر المرجعية المتاحة وقت إعدادها بشأن العدد الإجمالي للعاملين في منظومة العدالة الذين استُشهدوا، أو الحجم الدقيق للملفات والسجلات المفقودة، مؤكدة الحاجة إلى استكمال الحصر والتوثيق.

النساء والأطفال والنازحون الأكثر تضرراً من تعطّل التقاضي

وتوضح الورقة أن تعطّل المحاكم ينعكس مباشرة على قضايا النفقة والحضانة والطلاق والميراث، ويزيد صعوبة مطالبة النساء والأسر بحقوقها، خصوصاً في ظل النزوح وفقدان الوثائق والدخل والمساعدة القانونية.

كما تتناول الحاجة إلى آليات قانونية فعالة لحماية الأطفال الذين فقدوا والديهم، وتنظيم الوصاية والولاية وحماية أموال القاصرين، ومعالجة الملفات المرتبطة بالمفقودين وإثبات الوفاة وحقوق أسرهم.

وفي مجال الملكية والسكن، تحذر «حشد» من أن تدمير المنازل وضياع الوثائق وتعذّر الوصول إلى الأراضي يزيد مخاطر النزاعات والاستيلاء على الممتلكات، ويهدد عدالة التعويض وإعادة الإعمار.

وتؤكد أن النازحين يواجهون عوائق إضافية تحول دون تقديم الدعاوى ومتابعتها، من بينها صعوبة التنقل والاتصال، وفقدان الأوراق الثبوتية، وغياب المعلومات والمساندة القانونية. وتشدد على ضرورة توفير خدمات يسهل الوصول إليها، تراعي ظروف النساء والأطفال والأشخاص الأكثر هشاشة.

الوساطة لا تعوّض القضاء وضمانات المحاكمة العادلة

وتشير الورقة إلى اتساع اللجوء إلى الصلح العشائري والوساطات غير الرسمية مع تعطّل المؤسسات القضائية. وتقر بدور هذه الآليات في احتواء بعض الخلافات، لكنها تحذر من افتقارها، في حالات كثيرة، إلى ضمانات المحاكمة العادلة وسلطة الإنفاذ، ومن احتمال إضعاف حقوق النساء والأطفال والأطراف الأقل نفوذاً.

وتدعو «حشد» إلى تنظيم دور الوساطة ضمن إطار قانوني واضح، يمنع استخدامها بديلاً عن القضاء في المسائل التي تمس الحقوق الأساسية والنظام العام، ويضمن خضوع نتائجها للمراجعة والاعتراف القضائي وفق القانون.

كما تؤكد ضرورة الرقابة القضائية والنيابية على التوقيف والاحتجاز، وتسريع النظر في قضايا الموقوفين والأحداث، وضمان حق الدفاع والمحاكمة العادلة. وتتناول الورقة كذلك المخاوف المرتبطة باحتجاز سكان من غزة لدى إسرائيل دون محاكمة، وادعاءات الاختفاء القسري وسوء المعاملة، وتدعو إلى توثيق مستقل وتحقيقات فعالة بشأنها.

إعادة البناء تبدأ بوحدة المرجعية واستقلال القضاء

وترى الهيئة أن التحدي لا يقتصر على تأمين مبانٍ وتجهيزات، بل يشمل الاتفاق على مرجعية قانونية ومؤسسية فلسطينية تحافظ على وحدة السلطة القضائية، وتمنع ازدواج الأحكام، وتوضح علاقة أي ترتيبات انتقالية بالمؤسسات الوطنية المختصة.

وتشدد الورقة على أن تكون إعادة البناء بقيادة فلسطينية، مع توجيه الدعم الدولي إلى المساندة الفنية والمالية، دون فرض نماذج لا تراعي السياق الفلسطيني أو تعمّق الانقسام.

كما تدعو إلى معايير شفافة لتعيين القضاة وأعضاء النيابة وترقيتهم، ومراجعة موضوعية للتعيينات الاستثنائية التي جرت خلال الانقسام، على أساس الكفاءة والنزاهة وضمانات الدفاع، وبعيداً عن تصفية الحسابات السياسية.

وتؤكد أن استقلال القضاء يحتاج إلى ضمانات دستورية ومالية وإدارية، وأن حماية الحرية الشخصية والملكية والمحاكمة العادلة يجب أن تكون معياراً لقياس نجاح الإصلاح، وليس مجرد إعادة فتح المحاكم.

مسار مرحلي لاستعادة الخدمات وبناء المؤسسات

وتقترح الورقة ثلاث مراحل مترابطة لإعادة بناء منظومة العدالة، تبدأ بمرحلة للاستقرار الطارئ مدتها خمسة أشهر، تركز على إعادة تشغيل الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، بما يشمل التوثيق وإثبات الأحوال المدنية والنظر العاجل في قضايا الموقوفين والأحداث والأسرة، مع إمكان استخدام محاكم مؤقتة أو متنقلة.

وتشمل هذه المرحلة حصر الأضرار، وتأمين ما تبقى من الأرشيف ورقمنته بصورة آمنة، ووضع قواعد انتقالية لعمل الشرطة والاحتجاز تضمن الرقابة القضائية والنيابية، وتنظيم آليات الصلح بما يحمي الحقوق.

أما المرحلة الثانية، الممتدة من سنة إلى ثلاث سنوات، فتستهدف الاستعادة المؤسسية عبر إعادة بناء المحاكم والنيابات ومراكز الإصلاح، وتطوير نظام وطني لإدارة القضايا والمعلومات والأرشفة الإلكترونية، وتأهيل الكوادر.

وتقترح الورقة ضمن هذه المرحلة آلية متخصصة لتسوية نزاعات الملكية والسكن والتعويض، تشمل لجاناً قضائية وقواعد إثبات مرنة تراعي فقدان الوثائق، مع الحفاظ على ضمانات العدالة وحقوق الأطراف.

وتخصص المرحلة الثالثة، من ثلاث إلى عشر سنوات، لترسيخ المنظومة وتوحيد التشريعات، وتعزيز الرقابة المستقلة على الأجهزة الأمنية والإصلاحية، وإطلاق مسار متكامل للعدالة الانتقالية يشمل كشف الحقيقة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار.

مطالب للحماية والتمويل والمساءلة

وتدعو الهيئة الدولية «حشد» إلى ضمان الوقف الكامل للأعمال العدائية، وإدخال المواد والمعدات اللازمة لإعادة تأهيل المحاكم والأرشيف والسجلات، وحماية العاملين في المرفق العدلي وتأمين وصولهم إلى أماكن عملهم.

كما تطالب بتمويل برامج عاجلة لترميم سجلات الأحوال المدنية والأراضي ورقمنتها، وتوفير المساعدة القانونية المجانية للنازحين، ودعم آليات عادلة لتسوية نزاعات السكن والملكية والتعويض.

وتؤكد أهمية إشراك النساء والنازحين والفئات الأكثر تضرراً في تصميم برامج إعادة البناء وتنفيذها، ونشر المعايير والموازنات والتقارير الدورية، وإتاحة آليات واضحة للشكاوى والمساءلة.

وتدعو إلى تحقيقات مستقلة وشفافة في استهداف المنشآت والعاملين في قطاع العدالة، وحفظ الأدلة وتوظيفها في مسارات المساءلة المختصة، مشددة على أن كشف الحقيقة وجبر الضرر لا يجوز تأجيلهما بذريعة إعطاء الأولوية للإعمار.

وتقترح الورقة قياس التقدم من خلال مؤشرات عملية، تشمل نسبة المحاكم العاملة، ومتوسط زمن الفصل في القضايا، ونسبة الموقوفين دون حكم، ونسبة الأحكام المنفذة، ومدى رضا المتقاضين، وحجم السجلات المرقمنة، وتمثيل النساء في الوظائف العدلية، ومدى معالجة الشكاوى ضد أجهزة الإنفاذ.

وتختتم «حشد» بالتأكيد على أن المحاكم والسجلات ليست خدمات ثانوية، بل ضمانات أساسية لعودة النازحين وحماية الملكية واستعادة الثقة والسلم الأهلي. وتشدد على أن إعادة بناء غزة تحتاج إلى عدالة مستقلة وموثوقة، تحمي المواطنين من ضياع حقوقهم، وتمنع الإفلات من العقاب، وتجعل سيادة القانون أساساً للتعافي والاستقرار.

للاطلاع على الورقة اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى