
الهيئة الدولية «حشد» تصدر ورقة سياسات حول تفعيل المساءلة الدولية عن استخدام الأسلحة المحظورة في الحالة الفلسطينية
التاريخ: 2 سبتمبر 2026
خبر صحافي
الهيئة الدولية «حشد» تصدر ورقة سياسات حول تفعيل المساءلة الدولية عن استخدام الأسلحة المحظورة في الحالة الفلسطينية
أصدرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني «حشد» ورقة سياسات بعنوان: «نحو تفعيل المساءلة الدولية عن استخدام الأسلحة المحظورة»، اعداد الباحث محمد سليم تتناول الإطار القانوني الدولي الناظم لحظر الأسلحة ووسائل وأساليب القتال غير المشروعة، والتحديات التي تحول دون توثيق الانتهاكات وتحويلها إلى ملفات قانونية قابلة للتحقيق والمساءلة، لا سيما في سياق العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة.
وتوضح الورقة أن استخدام الأسلحة المحظورة أو وسائل وأساليب القتال المحظورة يمثل أحد أخطر مصادر التهديد لحياة المدنيين وسلامتهم في النزاعات المسلحة، لما يخلّفه من خسائر بشرية وصحية وبيئية تمتد آثارها لسنوات طويلة. وتؤكد أن قواعد القانون الدولي الإنساني وضعت منظومة متكاملة لحظر بعض الأسلحة أو تقييد استخدامها، فيما يجرّم القانون الدولي الجنائي بعض هذه الأفعال ويفتح المجال لملاحقة المسؤولين عنها.
وتشير الورقة إلى أن خصوصية الحالة الفلسطينية تكمن في حجم الدمار والخسائر البشرية والبيئية التي نتجت عن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وفي تعدد التقارير الحقوقية والدولية التي أثارت مخاوف واتهامات بشأن استخدام أسلحة أو ذخائر ووسائل قتال ذات آثار تدميرية خطرة. كما تلفت إلى أن استمرار العمليات العسكرية، وصعوبة الوصول إلى أماكن الاستهداف، وتدمير الأدلة، ومحدودية إمكانات التحقيق المستقل، كلها عوامل تعيق التحقق الفني والقانوني من هذه الانتهاكات.
وتؤكد الورقة أن المشكلة الأساسية لا تتمثل في غياب القواعد القانونية التي تحظر أو تقيد استخدام الأسلحة، بل في الفجوة القائمة بين هذه القواعد وبين القدرة الفعلية على التحقيق في الانتهاكات، وجمع الأدلة وحفظها، وتحديد المسؤولين عنها، وتحويل الوقائع الموثقة إلى ملفات قابلة للملاحقة القضائية. وترتبط هذه الفجوة بضعف آليات التنفيذ والتعاون الدولي، وبالقيود السياسية والقضائية التي تحد من فاعلية العدالة الدولية.
وتستعرض الورقة المبادئ الأساسية التي تحكم استخدام القوة والأسلحة في القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، وحظر استهداف المدنيين والمرافق المدنية. كما تشمل هذه المبادئ حظر الهجمات العشوائية، ومبدأ التناسب، وواجب اتخاذ الاحتياطات الممكنة لتجنب إصابة المدنيين وتقليل الأضرار، وحظر استخدام وسائل تسبب آلاماً أو إصابات مفرطة لا تبررها الضرورة العسكرية.
وتشير الورقة إلى أبرز الأطر القانونية الدولية ذات الصلة، بما في ذلك اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية، واتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية لعام 1993، واتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية والتكسينية لعام 1972، ومعاهدة حظر الأسلحة النووية لعام 2017، واتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد لعام 1997، واتفاقية الذخائر العنقودية لعام 2008، إلى جانب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وتشدد الورقة على ضرورة التمييز بين السلاح المحظور بذاته، والسلاح الذي قد يكون مشروعاً من حيث الأصل لكن استخدامه يصبح غير مشروع عندما يوجه ضد المدنيين أو يستخدم بصورة عشوائية أو بما يخالف مبدأ التناسب وواجب الاحتياط. كما تؤكد أن بعض الأسلحة أو المواد التي تثار بشأنها مخاوف قانونية تتطلب تحقيقاً مستقلاً وفنياً لتحديد طبيعتها وطريقة استخدامها والظروف المحيطة بها وآثارها، قبل الوصول إلى توصيف قانوني نهائي.
وتوضح الورقة أن الإشكالية القانونية في قطاع غزة لا تقتصر على حجم الدمار والخسائر في صفوف المدنيين، بل تمتد إلى طبيعة الأسلحة والذخائر والوسائل المستخدمة، والأهداف التي وُجهت إليها الهجمات، ومدى توافق ذلك مع قواعد القانون الدولي الإنساني. وتلفت إلى أن العمليات العسكرية في بيئة سكانية شديدة الكثافة، تضم أحياء سكنية ومخيمات نزوح ومستشفيات ومدارس ومرافق مياه، تفرض التزامات قانونية مشددة لحماية المدنيين.
وتشير الورقة إلى أن استخدام القوة في المناطق المدنية أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، وإلى تدمير واسع للمساكن والبنية التحتية والمرافق الصحية وشبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء، فضلاً عن تراكم كميات هائلة من الركام وانتشار الذخائر غير المنفجرة التي تبقي السكان والعائدين إلى مناطقهم عرضة للخطر حتى بعد توقف العمليات العسكرية.
كما تحذر من الآثار الصحية والبيئية طويلة الأمد لمخلفات الذخائر والأسلحة، بما يشمل احتمالات تلوث التربة والمياه والهواء، وما قد ينجم عنه من أضرار مزمنة على صحة السكان والبيئة والحياة الزراعية، إضافة إلى الإعاقات الدائمة والحاجة طويلة الأمد إلى العلاج والتأهيل والدعم النفسي والاجتماعي، ولا سيما للأطفال.
وتؤكد الورقة أن مجرد وجود اتهامات أو تقارير عن استخدام أسلحة محظورة أو وسائل قتال غير مشروعة لا يكفي وحده لإثبات المسؤولية الجنائية، إذ يتطلب تحويل الوقائع إلى ملف قانوني قابل للتحقيق أدلة موثوقة تحدد نوع السلاح ومصدره وخصائصه، ومكان وزمان استخدامه، وطبيعة الهدف المقصود، وحجم الأضرار الناتجة عنه، والعلاقة بين الضرر والفعل العسكري.
وتوضح أن هذا المسار يواجه تحديات كبيرة في قطاع غزة، بسبب استمرار العمليات العسكرية وتدمير مسارح الجرائم وصعوبة الوصول إلى مناطق عديدة وخطر الذخائر غير المنفجرة وفقدان السجلات، إلى جانب الحاجة إلى خبرات متخصصة في تحليل بقايا الأسلحة والآثار الطبية والبيئية والأدلة الرقمية.
وتشير الورقة إلى أن من أبرز التحديات التي تعيق تفعيل المساءلة الدولية صعوبة الوصول إلى أماكن الاستهداف وجمع الأدلة المادية، وتعذر تحديد نوع السلاح أو مصدره أو سلسلة توريده في بعض الحالات، وضعف التعاون الدولي في تبادل المعلومات والأدلة والخبرات الفنية، ومحدودية آليات تنفيذ القرارات القضائية والدولية، فضلاً عن التسييس وازدواجية المعايير وضعف حماية الشهود والضحايا والمبلغين والخبراء.
وتطرح الورقة أربعة بدائل متكاملة لتعزيز المساءلة الدولية: توسيع التحقيقات الدولية المستقلة؛ وتفعيل آليات المحكمة الجنائية الدولية ودعمها بالأدلة والمعلومات؛ وتشجيع الدول التي تسمح تشريعاتها بذلك على تفعيل ولايتها القضائية الوطنية أو العالمية؛ وإنشاء آلية دولية متكاملة تجمع بين التوثيق والتحقيق والخبرة الفنية وحفظ الأدلة والتعاون القضائي.
وتؤكد الورقة أن هذه البدائل ليست متنافسة، بل متكاملة؛ فالتحقيقات المستقلة توفر قاعدة الأدلة، والمحكمة الجنائية الدولية تتيح مساراً للملاحقة الجنائية الفردية، والولاية القضائية الوطنية والعالمية توسع دائرة المساءلة، فيما تشكل الآلية الدولية المتكاملة الإطار الجامع الذي يربط بين التوثيق والتحقيق والإحالة القضائية.
وتوصي الورقة بإنشاء آلية دولية متكاملة للتوثيق والتحقيق في استخدام الأسلحة المحظورة ووسائل القتال غير المشروعة، وربط نتائجها بآليات المساءلة القضائية الدولية والوطنية، بما يسد الفجوة بين توثيق الانتهاكات وتحويلها إلى أدلة وملفات قانونية قابلة للتحقيق والملاحقة.
كما تدعو إلى إنشاء قاعدة بيانات موحدة ومؤمنة لتوثيق الحوادث والانتهاكات، تشمل نوع السلاح المستخدم أو المشتبه به، ومكان وتاريخ الحادثة، وطبيعة الهدف، وأعداد الضحايا، وطبيعة الإصابات، والأدلة المادية والرقمية والشهادات والتقارير الطبية والبيئية، مع التمييز الواضح بين الوقائع المثبتة والادعاءات التي ما تزال بحاجة إلى تحقق مستقل.
وتشدد الورقة على ضرورة جمع وتحليل الأدلة الفنية عبر فحص بقايا الذخائر والأسلحة، وإجراء الفحوصات الطبية والشرعية، وتحليل عينات التربة والمياه عند الاشتباه بوجود تلوث أو مواد خطرة، والاستعانة بخبراء مستقلين في الأسلحة والطب الشرعي والبيئة والقانون الدولي، بما يساهم في الانتقال من إثبات وقوع الضرر إلى تحديد طبيعته ومصدره وصلته بانتهاك قاعدة قانونية محددة.
وتطالب الورقة باعتماد بروتوكولات واضحة لحفظ الأدلة وضمان سلامتها المادية والرقمية، وتوثيق مصدر كل دليل وتاريخ الحصول عليه وسلسلة حيازته، وحماية قواعد البيانات من الفقدان أو الاختراق، والاحتفاظ بنسخ احتياطية آمنة، بما يضمن قابلية استخدام الأدلة أمام الجهات القضائية المختصة مستقبلاً.
كما تؤكد أهمية توفير حماية فعالة للشهود والضحايا والمبلغين والخبراء الفنيين والأطباء والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين ومصادر المعلومات الحساسة، من خلال ضمان سرية الهوية وحماية البيانات الشخصية وتقييم المخاطر الأمنية ووضع إجراءات واضحة للإبلاغ عن التهديدات.
وتدعو الورقة إلى الإسراع في التحقيقات الدولية المتعلقة بالانتهاكات، وعدم السماح لطول الإجراءات بإضعاف فرص المساءلة، مع توسيع التحقيق ليشمل أنماط استخدام الأسلحة وليس الحوادث الفردية فقط، بما يكشف عن سياسات أو ممارسات ممنهجة محتملة.
وتؤكد الهيئة الدولية «حشد» أن تفعيل المساءلة عن استخدام الأسلحة المحظورة ووسائل القتال غير المشروعة يتطلب عملاً دولياً عاجلاً ومنهجياً يبدأ منذ وقوع الانتهاك، ولا ينتظر انتهاء العدوان، من خلال جمع الأدلة وحفظها وتحليلها وربطها بالمسارات القضائية الوطنية والدولية، بما يعزز فرص إنصاف الضحايا وملاحقة المسؤولين والحد من الإفلات من العقاب.



