أقلام المتدربيناخبار صحفيةاوراق سياساتاوراق سياسات

الهيئة الدولية حشــــد تصدر ورقة سياسات بعنوان نحو سياسات اقتصادية مستدامة لتعزيز الصمود الاقتصادي في قطاع غزة

التاريخ: 29 أغسطس 2026

خبر صحافي

بالشراكة مع مجموعة شيخ الدولية وضمن برنامج دبلوم تدريب نشطاء المجتمع المدني الشباب

الهيئة الدولية «حشد» تصدر ورقة سياسات بعنوان: «نحو سياسات اقتصادية مستدامة لتعزيز الصمود الاقتصادي في قطاع غزة»

أصدرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني «حشد»، بالشراكة مع مجموعة شيخ الدولية وضمن برنامج دبلوم تدريب نشطاء المجتمع المدني الشباب، ورقة سياسات جديدة بعنوان: «نحو سياسات اقتصادية مستدامة لتعزيز الصمود الاقتصادي في قطاع غزة»، تتناول واقع الاقتصاد الغزي في ظل الحصار الطويل وحرب الإبادة الجماعية، وتبحث في السياسات المطلوبة للانتقال من الاعتماد المتزايد على الإغاثة والمساعدات الطارئة إلى بناء اقتصاد محلي قادر على الصمود والتعافي واستعادة قدرته الإنتاجية.

وتنطلق الورقة من واقع أن قطاع غزة يواجه تدهوراً اقتصادياً بنيوياً تراكم خلال ما يقارب عقدين من الحصار، ثم تفاقم بصورة غير مسبوقة بفعل الحرب وما خلّفته من دمار واسع في البنية التحتية والمنشآت الاقتصادية والقطاعات الإنتاجية ومصادر الدخل. وتؤكد أن الاقتصاد المحلي تحوّل، بفعل الحرب والقيود المفروضة على القطاع، من اقتصاد محدود الإنتاج لكنه قادر على توفير حد أدنى من فرص العمل والدخل، إلى اقتصاد يعتمد بدرجة متزايدة على المساعدات الإنسانية والتدخلات الطارئة.

وتوضح الورقة أن المشكلة لا تقتصر على حجم الدمار المادي أو فقدان الوظائف، بل ترتبط أيضاً بغياب سياسات اقتصادية مستدامة تعالج جذور الهشاشة الاقتصادية، وتحمي سبل العيش، وتعيد بناء القدرات المحلية في الزراعة والصناعة والخدمات والمشاريع الصغيرة. وترى أن استمرار حصر الاستجابة في المساعدات العاجلة وبرامج التشغيل المؤقتة، من دون ربطها بخطة اقتصادية طويلة المدى، يرسخ الاعتمادية ويؤخر التعافي الحقيقي.

تشير ورقة السياسات إلى أن الصمود الاقتصادي في قطاع غزة كان يستند، قبل حرب الإبادة في أكتوبر 2023، إلى مجموعة من الركائز الإنتاجية والخدمية والمؤسسية، شملت الزراعة، والخدمات والمشاريع الفردية، والصناعة، والصيد، وبرامج الدعم التنموي، والعمالة في الداخل المحتل، والقطاع العام، والقطاع المالي والمصرفي. غير أن الحرب ألحقت بهذه الركائز دماراً واسعاً أدى إلى تفكك شبكة الأمان الاقتصادي والاجتماعي التي اعتمدت عليها الأسر الفلسطينية لسنوات.

وتلفت الورقة إلى أن القطاع الزراعي مثّل أحد أهم مقومات الصمود والأمن الغذائي في غزة، من خلال دوره في توفير الغذاء والدخل وفرص العمل. وقد ساهم القطاع، قبل الحرب، بنحو 11% من الناتج المحلي الإجمالي في غزة، وغطى جزءاً مهماً من الاحتياجات الغذائية للسكان، فيما شكّلت صادراته أكثر من نصف الصادرات السلعية للقطاع. إلا أن الحرب أدت إلى تدمير نحو 86% من الأراضي الزراعية، وارتفعت النسبة إلى 94% في محافظة شمال غزة، إلى جانب تدمير المحاصيل والبيوت البلاستيكية والآبار والمزارع، وانخفاض المساحات المزروعة بالخضروات والإنتاج الزراعي بصورة حادة.

وتؤكد الورقة أن تدمير الزراعة لا ينعكس على المزارعين وحدهم، بل يهدد الأمن الغذائي للسكان ويزيد الاعتماد على الاستيراد والمساعدات. كما يؤدي توقف الإنتاج المحلي إلى ارتفاع أسعار الغذاء، وتعطل الصناعات الغذائية المرتبطة بالزراعة، وفقدان عشرات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، خصوصاً في المناطق التي كانت تستحوذ على الحصة الأكبر من الأراضي الزراعية والإنتاج المحلي.

وفي قطاع الخدمات والمشاريع الفردية، تبيّن الورقة أن هذا القطاع كان يمثل العمود الفقري للاقتصاد الغزي من حيث الناتج وفرص العمل، إذ ساهم قبل الحرب بنحو 54.9% من الناتج المحلي الإجمالي واستوعب 51.6% من القوى العاملة. وتعرض القطاع لانهيار واسع نتيجة تدمير المناطق التجارية والبنية التحتية والمحال والورش، ما أدى إلى تراجع نشاطه وفقدان أعداد كبيرة من العاملين لمصادر دخلهم.

كما تسلط الورقة الضوء على الانهيار الذي أصاب القطاع الصناعي، والذي كان يشمل الصناعات الغذائية والنسيجية والبلاستيكية والحرفية وغيرها من الأنشطة الإنتاجية. وتشير إلى أن نسبة كبيرة من المنشآت الصناعية خرجت من الخدمة أو تعرضت للدمار، ما حرم الاقتصاد المحلي من قاعدة إنتاجية ضرورية لتوفير السلع وفرص العمل، وأضعف قدرة القطاع على التعافي في مرحلة ما بعد الحرب.

وتوضح الورقة أن قطاع الصيد كان يشكل مصدراً تقليدياً للغذاء والدخل لعشرات الآلاف من سكان المناطق الساحلية، إلا أن الحرب والحصار البحري وتدمير القوارب والموانئ ومرافق التخزين والإصلاح أدت إلى تراجع نشاطه إلى مستويات متدنية جداً. وتؤكد أن فقدان قطاع الصيد يضاعف أزمة الأمن الغذائي، ويزيد من هشاشة الأسر التي كانت تعتمد عليه كمصدر مباشر للدخل والغذاء.

وتشير الورقة إلى أن برامج الدعم والمشاريع التنموية ساعدت، قبل الحرب، في توفير فرص تشغيل مؤقتة ودعم المشاريع الصغيرة والمبادرات النسوية، ولا سيما في مجالات التصنيع الغذائي وسبل العيش. لكنها تؤكد أن هذه البرامج، رغم أهميتها في مرحلة الاستجابة، لا يمكن أن تحل محل استعادة القطاعات الإنتاجية الأساسية أو أن تشكل بديلاً دائماً عن سياسة اقتصادية وطنية متكاملة.

كما تلفت الورقة إلى أن إلغاء تصاريح العمل لعمال غزة في الداخل المحتل حرم آلاف الأسر من أحد مصادر الدخل النقدي الأكثر استقراراً نسبياً قبل الحرب. وتؤكد أن فقدان هذه الوظائف عمّق فجوة الدخل، وزاد من حجم الأعباء التي يجب أن تعالجها برامج التعافي الاقتصادي، خصوصاً أن هذه الأسر فقدت دخلاً كان يشكل مصدر إعالة أساسياً لها.

وفيما يتعلق بالقطاع العام، تؤكد الورقة أن تراجع القدرة على صرف الرواتب بصورة منتظمة أو كاملة، في ظل الأزمة المالية التي تواجه السلطة الفلسطينية واحتجاز أموال المقاصة والاقتطاعات الإسرائيلية، يهدد واحدة من آخر مصادر الدخل المتبقية لعدد كبير من الأسر في قطاع غزة. وترى أن استمرار الأزمة المالية للقطاع العام ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية، وعلى الأسواق المحلية، وعلى إمكانات صمود الأسر في مواجهة انهيار مصادر الدخل الأخرى.

تدعو الورقة إلى الانتقال من منطق إدارة الأزمة قصيرة الأجل إلى نهج اقتصادي وحقوقي يركز على بناء الصمود الاقتصادي المستدام. ويشمل ذلك إعادة تأهيل القطاعات الإنتاجية، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتأمين سلاسل الإمداد، وحماية سبل العيش، وربط المساعدات الإنسانية ببرامج تعافٍ اقتصادي حقيقية وقابلة للاستمرار.

وتؤكد ضرورة إعطاء القطاع الزراعي أولوية مركزية في برامج التعافي وإعادة الإعمار، من خلال إعادة تأهيل الأراضي الزراعية، وإصلاح الآبار وشبكات الري، ودعم المزارعين بالمدخلات الزراعية والبذور والمعدات، وإعادة بناء البيوت البلاستيكية والمنشآت الزراعية، وحماية وصول المزارعين إلى أراضيهم. كما تدعو إلى تطوير برامج تستهدف استعادة الإنتاج المحلي وتعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الاستيراد والمساعدات الخارجية.

وتوصي الورقة بدعم قطاع الخدمات والمشاريع الفردية باعتباره أكثر القطاعات قدرة على استيعاب العمالة وإعادة تنشيط الأسواق المحلية، من خلال منح صغيرة وميسرة، وبرامج تمويل للمشاريع المتناهية الصغر والصغيرة، ودعم الورش الحرفية والمحال التجارية والمهن الحرة والمبادرات النسوية. كما تشدد على أهمية اعتماد سياسات تشغيل عادلة وشفافة تضمن وصول الفئات الأكثر تضرراً، بمن فيهم الشباب والنساء والنازحون وذوو الإعاقة، إلى فرص العمل والتدريب والدعم الاقتصادي.

وتدعو الورقة إلى إطلاق برامج لإعادة تأهيل المنشآت الصناعية ودعم الصناعات المحلية ذات الأولوية، ولا سيما الصناعات الغذائية والدوائية والبلاستيكية والنسيجية ومواد البناء. وترى أن إعادة بناء القطاع الصناعي يجب أن ترتبط بسياسات تسهّل دخول المواد الخام والمعدات، وتدعم المنتج المحلي، وتوفر التدريب المهني والتقني للعمال، وتربط إعادة الإعمار بخلق فرص تشغيل منتجة ومستدامة.

وفي إطار التوصيات الإجرائية، تدعو الورقة الجهات الحكومية والمؤسسات المحلية والقطاع الخاص والمنظمات الدولية والجهات المانحة إلى إعداد استراتيجية وطنية متكاملة للصمود والتعافي الاقتصادي في قطاع غزة، تتضمن أهدافاً محددة، وموازنات واضحة، وبرامج زمنية، وآليات تنسيق ومساءلة، ومؤشرات لقياس أثر التدخلات على التشغيل والدخل والإنتاج والأمن الغذائي.

كما توصي بإنشاء أو دعم آليات تمويل وطنية ومجتمعية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة والمبادرات الإنتاجية، مع منح أولوية للقطاعات التي تعيد بناء سبل العيش وتوفر فرص عمل مستدامة، مثل الزراعة والتصنيع الغذائي وإعادة التدوير والطاقة البديلة والخدمات الرقمية والمشاريع التي تقودها النساء والشباب.

وتشدد الورقة على أن مسؤولية المجتمع الدولي لا تقتصر على تمويل الإغاثة الطارئة، بل تشمل دعم إعادة بناء الاقتصاد المحلي وحماية الحق في العمل والغذاء والتنمية. كما تدعو إلى ربط تمويل إعادة الإعمار باحترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للفلسطينيين، وضمان إزالة القيود التي تعيق حركة الأفراد والبضائع والمواد الخام والمعدات، وتمنع استعادة القطاعات الاقتصادية قدرتها على العمل والإنتاج.

وتخلص الورقة إلى أن بناء الصمود الاقتصادي في قطاع غزة ليس مسألة إغاثية مؤقتة، بل ضرورة وطنية وحقوقية وتنموية. فالتعافي الحقيقي يتطلب استعادة قدرة السكان على الإنتاج والعمل وتأمين احتياجاتهم بكرامة، وإنهاء السياسات التي تحول الاقتصاد الغزي إلى اقتصاد معتمد على المساعدات. وتؤكد أن أي عملية لإعادة الإعمار لا تضع استعادة القطاعات الإنتاجية، وحماية سبل العيش، وتمكين الأسر والمشاريع المحلية في قلب التخطيط والتنفيذ، ستبقى عملية ناقصة وغير قادرة على تأسيس اقتصاد فلسطيني أكثر عدالة وقدرة على الصمود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى