
تقدير موقف استراتيجي للدكتور صلاح عبد العاطي انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني 2026 بين تجديد الشرعية الوطنية وخطر إعادة إنتاج الأزمة
التاريخ: 7 يونيو 2026
خبر صحافي
تقدير موقف استراتيجي للدكتور صلاح عبد العاطي انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني 2026 بين تجديد الشرعية الوطنية وخطر إعادة إنتاج الأزمة
أصدرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني “حشد” ورقة موقف جديدة بعنوان: “انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني 2026: بين تجديد الشرعية الوطنية وخطر إعادة إنتاج الأزمة – نحو حماية التمثيل الوطني الجامع وضمان مسار ديمقراطي شامل للشعب الفلسطيني”، أعدّها د. صلاح عبد العاطي، رئيس الهيئة الدولية “حشد”، وتتناول الورقة أبعاد الدعوة لإجراء انتخابات المجلس الوطني في واحدة من أخطر اللحظات التي تمر بها القضية الفلسطينية منذ النكبة.
وتؤكد الورقة أن هذه الدعوة تأتي في ظل حرب إبادة جماعية في قطاع غزة، وتصعيد استيطاني وتهجيري في الضفة الغربية والقدس، واستهداف مستمر لقضية اللاجئين وحق العودة، إلى جانب محاولات إقليمية ودولية لإعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني وإعادة تعريف من يمثل الفلسطينيين سياسياً وقانونياً. وترى “حشد” أن انتخابات المجلس الوطني ليست استحقاقاً إدارياً أو إجراءً تقنياً، بل “معركة على مستقبل التمثيل الوطني الفلسطيني” ولحظة تأسيسية تمس جوهر المشروع الوطني ومستقبل منظمة التحرير الفلسطينية كإطار تمثيلي جامع للفلسطينيين في الوطن والشتات.
وشدد د. صلاح عبد العاطي، من خلال الورقة، على أن السؤال لم يعد: “كيف ننتخب مجلساً وطنياً جديداً؟” بل “أي نظام سياسي يُعاد إنتاجه؟ وأي منظمة تحرير يُعاد تشكيلها؟ وأي مشروع وطني يُراد تثبيته أو تفكيكه؟” محذّراً من أن أي عملية انتخابية لا تقوم على توافق وطني شامل ولا تضمن مشاركة جميع الفلسطينيين قد تتحول من فرصة لإعادة البناء إلى أداة لإعادة إنتاج الأزمة وتعميق الانقسام وإعادة تشكيل التمثيل الوطني بصورة منقوصة.
وتوضح الورقة أن أزمة النظام السياسي الفلسطيني أعمق بكثير من مجرد غياب الانتخابات، حيث يعاني النظام من تآكل الشرعية التمثيلية لمنظمة التحرير، وتعطل آليات التجديد الديمقراطي، والانقسام الجغرافي والسياسي بين الضفة وغزة، وتضخم السلطة التنفيذية على حساب المؤسسات التمثيلية، وغياب المجلس التشريعي وتعطل الرقابة، وتراجع استقلال القضاء، واتساع الفجوة بين المجتمع ومؤسساته، ما أدى إلى انتقال تدريجي من مشروع تحرر وطني جامع إلى إدارة حكم ذاتي مقيد تحت الاحتلال.
وتستعرض الورقة ملامح النظام الانتخابي الجديد المقترح للمجلس الوطني، الذي ينص على انتخاب 350 عضواً، منهم 200 مقعد للفلسطينيين في الوطن و150 مقعداً لفلسطينيي الشتات، وفق نظام التمثيل النسبي الكامل، مع اعتبار كل منطقة شتات دائرة انتخابية، واللجوء إلى التوافق أو المجمعات أو التعيين عند تعذر إجراء الانتخابات. وترحّب الورقة بأهمية التمثيل النسبي وضمان حضور الشتات، لكنها تحذر من تحول “الاستثناء” – التعيين أو التوافق – إلى قاعدة دائمة بحكم صعوبة إجراء انتخابات في عدة ساحات، بما قد يحوّل المجلس إلى صيغة هجينة تعيد إنتاج المحاصصة بدلاً من التمثيل الديمقراطي الحقيقي.
كما تؤكد الورقة أن المجلس الوطني يمثل الإطار الأعلى لتمثيل الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس وأراضي 1948 ومخيمات اللاجئين والشتات، وأن أي خلل في تمثيل هذه المكونات يعني عملياً إعادة تعريف “من هو الشعب الفلسطيني سياسياً”، وهو ما ينعكس مباشرة على طبيعة منظمة التحرير وشرعيتها التأسيسية.
وتبيّن الورقة أن إجراء انتخابات شاملة تقليدية يواجه عقبات بنيوية جدية، أبرزها سيطرة الاحتلال على الأرض والمعابر ومنع حرية الحركة، ورفضه إجراء انتخابات في القدس، والانقسام بين غزة والضفة، واختلاف الأنظمة القانونية في دول الشتات، والقيود السياسية المفروضة على اللاجئين الفلسطينيين في بلدان مثل لبنان وسوريا والأردن، ما يجعل الانتخابات التقليدية الشاملة “أمراً بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً” من دون حلول ابتكارية تتجاوز القيود الجغرافية والسياسية.
وفي هذا السياق، تبرز الورقة مخاطر اللجوء الواسع إلى التعيين والمجمعات الانتخابية، وما ينجم عنه من احتمال إنتاج مجلس وطني مركّب قائم على انتخاب جزئي وتعيين جزئي وتوافق فصائلي، بما يعيد إنتاج نظام الحصص ويهمّش الشباب والنساء والمستقلين ويضعف التمثيل الشعبي الحقيقي، لتدعو بالمقابل إلى مسار تأسيسي وطني شامل يتضمن إنهاء التفرد في القرار، وتجاوز الانقسام بين غزة والضفة، وإعادة بناء النظام السياسي على أساس شراكة وطنية وعقد وطني انتقالي جامع، والانتقال من إدارة الاحتلال إلى مشروع تحرر وطني متجدد.
وتطرح الورقة التصويت الإلكتروني كـ”خيار استراتيجي وطني” أكثر واقعية لضمان شمولية انتخابات المجلس، لما يوفره من إمكانية لمشاركة القدس دون موافقة الاحتلال المباشرة، وتمكين الفلسطينيين في الشتات من التصويت، وتجاوز القيود الجغرافية والسياسية، وتعزيز مشاركة الشباب والنساء، وتقليل الحاجة إلى المجمعات والتعيين، وفتح المجال أمام انتخابات دورية أكثر انتظاماً. وتشدد على أن نجاح هذا الخيار مشروط بمنظومة أمن سيبراني متقدمة، وإشراف قضائي وحقوقي مستقل، ورقابة وطنية ودولية شفافة، وسجل انتخابي موحد ومحدّث، بما يجعل التصويت الإلكتروني “ضرورة سياسية لحماية الحق الديمقراطي الفلسطيني” وليس مجرد أداة تقنية.
وتدعو الورقة، كما يوضح د. صلاح عبد العاطي، إلى نقل النقاش الفلسطيني من مستوى التفاصيل الإجرائية والفنية إلى مستوى الأسئلة التأسيسية الكبرى: كيف يُعاد تعريف المشروع الوطني بعد التحولات الجذرية الأخيرة؟ هل منظمة التحرير قابلة للإصلاح أم تحتاج إلى مسار إعادة تأسيس؟ كيف تُدمج أدوات النضال المختلفة في استراتيجية وطنية واحدة؟ وكيف تُستعاد وحدة الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات وتُنتج قيادة وطنية شرعية جامعة؟.
وتخلص “حشد” في ورقة الموقف إلى أن انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني 2026 تقف أمام مفترق تاريخي حاسم: فإما أن تكون مدخلاً حقيقياً لإعادة بناء منظمة التحرير وتجديد شرعيتها على أسس ديمقراطية جامعة، أو تتحول إلى عملية شكلية تعيد إنتاج الأزمة السياسية القائمة بصيغ جديدة. وتؤكد أن معيار النجاح لا يقاس بمجرد إجراء الانتخابات، وإنما بمدى شموليتها، وطبيعة قواعدها، وحجم التوافق الوطني حولها، وقدرتها على تمثيل الفلسطينيين كافة أينما وجدوا، وبما يضمن بقاء المشروع الوطني الفلسطيني حياً وقادراً على التجدد.
وتشدد الهيئة الدولية “حشد” على أن حماية التمثيل الوطني الجامع، وضمان مسار ديمقراطي شامل للشعب الفلسطيني، يتطلبان مساراً توافقياً وطنياً يُخرج ملف انتخابات المجلس الوطني من التجاذبات الفصائلية الضيقة، ويضعه في إطاره الطبيعي كمعركة على مستقبل المشروع الوطني ومن يمثل الشعب الفلسطيني وحق كل فلسطيني، في الداخل والشتات، في المشاركة الحرة والمتساوية في تقرير مصيره السياسي.



