
«حشد» تنشر تقرير بعنوان عام على وقف إطلاق النار في غزة، في ضل استمرار سقوط الضحايا وتعثر الإعمار يكشفان فجوة خطيرة بين الاتفاق وحماية المدنيين
التاريخ: 7 أكتوبر 2026
خبر صحافي
«حشد» عام على وقف إطلاق النار في غزة، في ظل استمرار سقوط الضحايا وتعثر الإعمار يكشفان فجوة خطيرة بين الاتفاق وحماية المدنيين
أصدرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني «حشد» تقريراً توثيقياً حقوقياً بعنوان «عام على إعلان وقف إطلاق النار في قطاع غزة: استمرار الخروقات، هشاشة الحماية وتعثر الانتقال من وقف الأعمال العدائية إلى التعافي وإعادة الإعمار»، يغطي الفترة من 10 أكتوبر 2025 حتى 5 أكتوبر 2026، ويقيّم مدى انعكاس الاتفاق على حماية المدنيين واستعادة الخدمات الأساسية وضمان العودة الآمنة والتعافي.
وتؤكد الهيئة أن تراجع العمليات العسكرية واسعة النطاق لم يتحول إلى حماية مستدامة للسكان أو إنهاء للأزمة الإنسانية، وأن استمرار الخروقات والقيود ونقص الخدمات أبقى قطاعات واسعة من الفلسطينيين في حالة طوارئ ممتدة. وتشدد على أن نجاح وقف إطلاق النار لا يقاس بانخفاض وتيرة القتال وحده، بل بوقف الانتهاكات، وتأمين وصول المساعدات، واستعادة مقومات الحياة، وضمان المساءلة.
استمرار الخروقات وسقوط الضحايا
وبحسب الحصيلة التراكمية التي يعرضها التقرير، استُشهد 1,460 فلسطينياً وأُصيب 5,116 آخرون منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025 وحتى 5 أكتوبر 2026. وتعتبر «حشد» أن استمرار هذه الخسائر البشرية يكشف هشاشة ترتيبات الحماية، ويؤكد أن المدنيين ظلوا معرضين للقتل والإصابة خلال مرحلة كان يفترض أن تتيح استعادة الأمن والحياة المدنية.
ويشير التقرير إلى استشهاد أكثر من 300 طفل ونحو 246 امرأة وفتاة خلال فترة وقف إطلاق النار، كما يتناول سقوط ضحايا بين الصحفيين والطواقم الطبية والعاملين في المجال الإنساني والصيادين وأفراد الشرطة. وتؤكد الهيئة أن هذه الوقائع تستلزم تحقيقات مستقلة تحدد ظروف كل حادثة والمسؤولية عنها، وتضمن حقوق الضحايا وأسرهم.
ويستعرض التقرير أنماطاً متعددة للخروقات، تشمل إطلاق النار والقصف واستهداف المركبات والمنازل والخيام، إلى جانب المخاطر الناجمة عن الوجود العسكري والقيود على الوصول إلى مناطق مختلفة، خصوصاً القريبة من خطوط الانتشار.
وتوضح «حشد» أن الأثر المباشر لهذه الوقائع لا يقتصر على الضحايا، بل يمتد إلى تعطيل عودة الأسر إلى مناطقها وممتلكاتها، وإضعاف قدرتها على التنقل والعمل والحصول على الخدمات. وترى أن استمرار الخوف وعدم اليقين يحول دون الانتقال من مجرد خفض الأعمال العدائية إلى استقرار فعلي يتيح التعافي.
النزوح والمأوى والعودة الآمنة
ويكشف التقرير أن أزمة المأوى بقيت من أبرز مظاهر استمرار المعاناة؛ إذ تشير تقييمات المأوى التي يستعرضها إلى حاجة نحو 94% من سكان القطاع، أي قرابة 1.98 مليون شخص، إلى مساعدات مرتبطة بالمأوى والمواد غير الغذائية، فيما تعيش نحو 65% من الأسر في خيام أو ملاجئ مؤقتة.
وتؤكد الهيئة أن عودة أعداد كبيرة من السكان إلى مناطقهم لا تعني بالضرورة استعادة حياة طبيعية، في ظل الدمار الواسع ونقص السكن الآمن والمياه والكهرباء والخدمات الصحية والتعليمية. كما يشكل الركام ومخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة عوائق أمام العودة المستقرة والكريمة.
ويحذر التقرير من التعامل مع العودة بوصفها حركة جغرافية فقط، دون ضمان شروط الأمان والسكن والخدمات. وتشدد «حشد» على أن حماية حقوق النازحين تستلزم تمكينهم من اتخاذ قرارات طوعية ومستنيرة، وتأمين ظروف معيشية تحفظ كرامتهم، وعدم تحميل الأسر مسؤولية التكيف مع بيئة تفتقر إلى مقومات الحياة.
كما يؤكد التقرير أن احتياجات الأطفال والنساء والمرضى والأشخاص ذوي الإعاقة والأسر النازحة يجب أن تبقى في صلب الاستجابة الإنسانية وخطط التعافي، وألا تُهمّش حقوقهم لصالح ترتيبات سياسية أو أمنية لا توفر حماية ملموسة.
الصحة والمياه والأمن الغذائي
وفي القطاع الصحي، يستعرض التقرير بيانات تشير إلى أن 19 مستشفى فقط من أصل 36 كانت تعمل بصورة جزئية في سبتمبر 2026، دون وجود أي مستشفى يعمل بكامل طاقته. ويربط استمرار هذه الهشاشة بنقص الأدوية والمستلزمات والمعدات والوقود، وصعوبة توفير الخدمات العلاجية المتخصصة داخل القطاع.
وتؤكد «حشد» أن استمرار حاجة آلاف المرضى والجرحى إلى الإجلاء الطبي يعكس الفجوة بين الاحتياجات الصحية والقدرات المتاحة. وتدعو إلى تسهيل وصول المرضى إلى العلاج خارج غزة، بالتوازي مع إعادة تأهيل المرافق الصحية وتوفير مستلزمات تشغيلها، حتى لا يصبح تعطل الخدمات سبباً إضافياً لفقدان الأرواح أو تفاقم الإعاقات.
وفي مجال المياه، يورد التقرير أن متوسط كمية المياه التي وصلت إلى السكان خلال الفترة من أكتوبر 2025 حتى فبراير 2026 بلغ نحو 21.2 لتر للفرد يومياً، مع تفاوتات حادة بين مناطق القطاع واعتماد نسبة كبيرة من الأسر على صهاريج نقل المياه. ويوضح أن ترتيبات الإغاثة لم تتحول إلى استعادة مستدامة لشبكات المياه والصرف الصحي.
وتشدد الهيئة على أن توفير المياه لا ينفصل عن إصلاح الشبكات وتشغيل محطات الضخ والمعالجة وإدخال الوقود وقطع الغيار، وأن استمرار الاعتماد على الحلول الطارئة يترك السكان عرضة لانقطاع الخدمات والمخاطر الصحية.
أما الأمن الغذائي، فيسجل التقرير تحسناً نسبياً مقارنة بالمراحل الأشد من الحرب، نتيجة زيادة تدفق المساعدات وتحسن الوصول إلى الغذاء في بعض الفترات، لكنه يؤكد أن هذا التحسن بقي هشاً وغير كافٍ. ويستعرض تحليلاً يفيد بأن أكثر من 1.2 مليون شخص، يمثلون نحو 59% من السكان المشمولين بالتحليل، واجهوا مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي خلال الفترة من منتصف أبريل حتى نهاية يونيو 2026.
وترى «حشد» أن انتظام المساعدات واستعادة سبل العيش يشكلان شرطين متكاملين لمعالجة الأزمة، وأن تحسن الإمدادات في فترة محددة لا يضمن استقرار الأمن الغذائي ما دامت الأسر تفتقر إلى الدخل والخدمات والقدرة على تلبية احتياجاتها الأساسية.
فجوات التنفيذ والتعافي والمساءلة
ويخلص التقرير إلى وجود أربع فجوات رئيسية: فجوة الحماية المرتبطة باستمرار سقوط الضحايا والخروقات؛ وفجوة التنفيذ الإنساني الناجمة عن استمرار القيود والاحتياجات الأساسية؛ وفجوة التعافي الناتجة عن بطء إعادة تأهيل المساكن والخدمات والبنية التحتية؛ وفجوة المساءلة المرتبطة بغياب آلية فعالة وشفافة للتحقيق وتحديد المسؤوليات ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات.
وتوضح الهيئة أن الالتزامات التي يتناولها التقرير تتجاوز وقف العمليات العسكرية إلى إدخال المساعدات وتيسير توزيعها، وفتح المعابر وحرية الحركة، وتسهيل الإجلاء الطبي، وضمان العودة وعدم التهجير القسري، وإعادة تأهيل المرافق وإطلاق التعافي والإعمار.
وتؤكد أن التعثر في تنفيذ هذه الالتزامات أبقى السكان معتمدين على الاستجابة الطارئة، بدلاً من تمكينهم من استعادة حياتهم. كما تلفت إلى أن إعادة الإعمار لا تعني تشييد المباني وحدها، بل استعادة منظومات الصحة والتعليم والمياه والطاقة والطرق والخدمات العامة.
وتشدد «حشد» على أن التأييد الدولي للاتفاق لا يشكل، بمفرده، ضمانة لتنفيذه، وأن المطلوب تحويل الالتزامات المعلنة إلى نتائج قابلة للقياس يلمسها السكان في أمنهم وصحتهم وسكنهم وقدرتهم على الحركة والتعلم والعمل.
مطالب للحماية والإعمار
وتدعو الهيئة الدولية «حشد» إلى إنشاء آليات فعالة وقابلة للقياس لمتابعة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتعزيز الرقابة المستقلة على الخروقات والوصول الإنساني، وضمان التحقيق في الوقائع وتحديد المسؤولية عنها، وعدم الاكتفاء بإدارة الاتفاق سياسياً دون أدوات واضحة لحماية المدنيين.
كما تطالب بضمان وصول المساعدات دون عوائق غير مبررة، وانتظام إدخال الغذاء والدواء والوقود ومواد المأوى والإصلاح والمعدات اللازمة لإزالة الركام وإعادة تأهيل المرافق. وتؤكد ضرورة تسهيل الحركة عبر المعابر والإجلاء الطبي، وحماية العاملين في القطاعات الإنسانية والخدمية.
وتدعو إلى تسريع التعافي وإعادة الإعمار بقيادة فلسطينية، مع ضمان المشاركة واحترام الحقوق الأساسية للسكان، وتأمين العودة الآمنة والطوعية والكريمة. وتشدد على ألا تُستخدم الترتيبات السياسية أو الأمنية بديلاً عن الوفاء بالالتزامات القانونية والإنسانية، وألا تؤدي إلى إدامة النزوح أو تهميش حقوق المتضررين.
وتؤكد «حشد» أن اقتراب الذكرى السنوية الأولى لوقف إطلاق النار يفرض تقييماً جاداً لما تحقق على الأرض، وأن استمرار الخروقات والاحتياجات الإنسانية الهائلة يستدعي الانتقال من الوعود إلى التنفيذ. وتختتم بأن الغاية من وقف إطلاق النار ليست خفض مستوى الحرب فحسب، بل حماية الإنسان، واستعادة الحياة المدنية، وتمكين التعافي، وضمان العدالة وعدم الإفلات من العقاب.



