ورقة تقدير وضع: “أثر الانقسام السياسي على المجلس التشريعي الفلسطيني”

ورقة تقدير وضع: "أثر الانقسام

0

 ورقة تقدير وضع “أثر الانقسام السياسي على المجلس التشريعي الفلسطيني “

 

 

إعداد الدكتور:
صلاح الوادية

 

كاتب وباحث سياسي

 

مقدمة:

جرت انتخابات المجلس التشريعي عام 2006 بشكل ديمقراطي ونزيه تحت رقابة المجتمع المحلي والعربي والدولي، حيث كان هناك وكلاء ومراقبين لكل قائمة انتخابية في جميع مراكز الاقتراع، إضافة إلى وجود مراقبين دوليين ومحليين من ذوي الاختصاص. ورغم وجود خلافات وحالة من الاستقطاب بين حركتي فتح وحماس، لكنها لم تؤثر جوهرياً على سير العملية الانتخابية ونزاهتها.

بدأت الخلافات تتصاعد فيما بحكم أن فتح كانت قبل الانتخابات تشغل جميع مفاصل الحكم وأصبح لها بعد الانتخابات شريك ينازعها الصلاحيات، الأمر الذي لم يحسن الطرفين إدارته بشكل سياسي وحضاري، خاصة وأنه ترتب على نتائج الانتخابات تغيرات جوهرية في نظام الحكم الفلسطيني.

أولاً: نظام الحكم للسلطة الوطنية

قبل البدء بالحديث عن الانقسام يجب أن نعرف طبيعة نظام الحكم في فلسطين لنعرف تداعيات هذا النظام على الواقع القانوني الفلسطيني، حيث حدد القانون الأساسي الفلسطيني في المادة (5) أن نظام الحكم في فلسطين نظام ديمقراطي نيابي يعتمد على التعددية السياسية والحزبية(1)، ولكن من الناحية الواقعية مر النظام السياسي بمرحلتين وهما:

المرحلة الأولى: مرحلة النظام الرئاسي، والتي استمرت منذ تأسيس السلطة الوطنية وحتى العام 2003، وقد مارست السلطات الثلاثة اختصاصاتها دون وجود أية مرجعية دستورية، وكان الرئيس الراحل أبو عمار يتولى رئاسة السلطة ورئاسة الحكومة معاً.

المرحلة الثانية: مرحلة النظام شبه الرئاسي، والتي بدأت منذ العام 2003 وحتى تاريخه، حيث تم استحداث منصب رئيس الوزراء، وحُدِدت له اختصاصات تختلف عن اختصاصات الرئيس، وبات للسلطة التنفيذية رأسان، هما: رئيس السلطة ورئيس الوزراء.

ومن الواضح أن القانون الأساسي يحمل الكثير من التناقض في هذا الشأن، حيث أشار إلى أن  نظام الحكم نيابي ديمقراطي دون تحديد ما إذا كان رئاسي أو برلماني أو شبه رئاسي، فكثير من مواده تعطي الصلاحيات لرئيس السلطة الوطنية على عكس ما هو معمول به في الأنظمة التي تعمل بالنظام النيابي، ففي نفس المادة التي تحدد طبيعة نظام الحكم (المادة 5) تشير أيضاً إلى أن الحكومة مسئولة أمام الرئيس والمجلس التشريعي فقط. وأن تكون الحكومة مسئولة أمام الرئيس هذا يعني أن نظام الحكم رئاسي، ووفق المادة (74) يعتبر رئيس الوزراء مسئول أمام رئيس السلطة الوطنية عن أعماله وعن أعمال حكومته، كما أعطى القانون الأساسي الصلاحية  للرئيس لإحالة رئيس الوزراء للتحقيق(2)، هذه الصلاحيات الممنوحة لرئيس السلطة الوطنية من قبل القانون الأساسي جعلت نظام الحكم في فلسطين في حالة من الالتباس، حيث أصبح متأرجحاً ما بين النظام النيابي والنظام الرئاسي وأقرب إلى النظام المختلط، وهذا خلق إشكاليات على الصلاحيات لاحقاً، وكان الأجدر بالمشرع الدستوري الفلسطيني أن يحدد طبيعة نظام الحكم بوضوح، والأكثر أهمية إشراك المواطنين في تحديد طبيعة النظام السياسي، خاصة وأن النظام السياسي جرى تحديده في القانون الأساسي من قِبَل المجلس التشريعي عندما كان في معظمه من حركة فتح في ظل عدم مشاركة التنظيمات الأخرى في المجلس التشريعي، كما أن القانون الأساسي لم يتم إقراره عبر استفتاء شعبي. وما زاد النظام السياسي للسلطة الوطنية التباساً وغموضاً العلاقة المتداخلة والضبابية ما بين مؤسسات السلطة الوطنية ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية؛ إن الطريقة التي تم بها إقرار القانون الأساسي، وطبيعة النظام السياسي المحدد به، حمل في طياته عوامل الاختلاف والصراع والفشل.

ثانياً: مقدمات الانقسام

عند الحديث عن الانقسام الفلسطيني يتبادر للذهن أنه وليد الانتخابات التشريعية عام 2006 وما ترتب عليها من أحداث واقتتال، ولكنه بدأ فعلياً منذ أن برز دور حركة حماس على الساحة الفلسطينية، وبروز الالتفاف الجماهيري الملفت للنظر حولها، ورغم أن القوى السياسية كانت منشغلة في مقاومة الاحتلال إلا أنها أيضا كانت تحاول فرض حضورها على العمل الوطني وإبراز دورها في كل مناسبة أو مواجهة مع الاحتلال، حيث بدأت تزداد ظاهرة تغليب الرايات الحزبية على العلم الفلسطيني بشكل ملحوظ من قبل جميع فصائل العمل الوطني والإسلامي.

ولاحقاً بدأ يظهر صراع ناعم للسيطرة على المساجد بين حماس والجهاد الإسلامي وفتح، وأحيانا في المدارس والجامعات، سرعان ما تحول إلى صراع خشن وصل حد المواجهة الجسدية. وهذا الخلاف تأسس وتجذر في الشارع الفلسطيني وتطور تباعاً مع اختلاف المراحل واتساع هوة الأفكار بعد أوسلو وتداعياتها ورفض فصائل شريكة في منظمة التحرير وحركتي حماس والجهاد لهذه الاتفاقيات، ورفضها المشاركة في الانتخابات الأولى الرئاسية والتشريعية في العام 1996 من جانب، والعمل في مؤسسات السلطة من جانب أخر. لذلك بتنا نشهد أيديولوجيات ومشاريع وبرامج وطنية وآليات تحرر مختلفة، الأمر الذي أسس لمرحلة جديدة من الانقسام الفلسطيني الذي لم يعد سطحياً أو عفوياً وإنما بات متجذراً وصراعاً على البرامج السياسية وعلى السلطة بالدرجة الأولى.

وفي محاولة لتخفيف حدة الصراعات تم التوصل لاتفاق القاهرة في العام 2005 لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني بمشاركة التنظيمات الأخرى عبر عملية انتخابية تشارك بها كافة التنظيمات تحت مرجعية وطنية وبنظام انتخابي جديد، وعليه تم تعديل النظام الانتخابي من النظام الفردي إلى النظام المختلط. وقد جرت العملية الانتخابية في العام 2006 بهدف تعزيز الشراكة السياسية، إلا أن نتائجها بالفوز الكبير لحركة حماس أربك كافة الحسابات، وفتح الطريق أمام الصراعات على السلطة والصلاحيات.

ولم تحسم الخلافات على الصلاحيات في إطار المؤسسات الدستورية، بل تم حسمها بالقوة المسلحة بسيطرة حماس على قطاع غزة في العام 2007، وبتشكيل نظام سياسي في قطاع غزة مستقل ومنفصل عن النظام السياسي بالضفة الغربية.

ثالثاً: الانقسام أمر واقع

بات الانقسام واقع ملموس حيث شطر النظام الفلسطيني إلى شقين، فأصبح لدينا حكومتين وإدارتين، وفشلت كافة الجهود في توحيد النظام الساسي من جديد، رغم تشكيل حكومة الوفاق الوطني إلا أنها فشلت في توحيد النظام السياسي والتأسيس لإنهاء الانقسام بكل تفاصيله وإشكالياته التي خلفها، وبتقديرنا أن الانقسام بات أعمق وله تداعيات على مجمل الحياة الفلسطينية، ومن أهم القضايا الخلافية، الاتفاق على برنامج سياسي موحد وحل ملف موظفي حركة حماس وسلاح المقاومة وتوحيد الوزرات والأجهزة الأمنية(3)، وهي أمور تقف عقبة أمام تطبيق أي اتفاق مصالحة، هذا ما يظهره الساسة غالباً، رغم أن السبب الأكثر واقعية لاستدامة الانقسام هو عدم توفر الإرادة الحقيقية لإنهاء الانقسام لدى أطراف الانقسام أو أحدهم على الأقل، خاصة وأن مصالح طرفي الانقسام والمصالح الحزبية الضيقة باتت تطغي على المصالح الوطنية، إضافة إلى التدخلات الإقليمية والدولية التي لاتزال معيقة لإتمام المصالحة.

رابعاً: اشتباك الصلاحيات

عقب سيطرة حركة حماس على قطاع غزة في يونيو 2007، أعلن الرئيس محمود عباس حالة الطوارئ، بموجب الصلاحيات الممنوحة له في القانون الأساسي(4)، وأقال حكومة إسماعيل هنية رئيس الوزراء في حينه، وشكّل حكومة طوارئ برئاسة سلام فياض، فيما استمر إسماعيل هنيه بممارسة اختصاصاته في قطاع غزة كرئيس وزراء.

ونقل الرئيس لنفسه صلاحية سن القوانين بموجب المادة (43) من القانون الأساسي، التي تجيز له إصدار قرارات لها قوة القانون في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير وفي غير أدوار انعقاد المجلس التشريعي، وبناء على هذا التفويض أصدر الرئيس محمود عباس (156) قرار بقانون، أما في قطاع غزة فقد واصلت كتلة التغيير والإصلاح عقد جلسات للمجلس التشريعي في قطاع غزة، حيث أقرت (58) قانون مستنده في ذلك إلى ما يعرف بنظام التوكيلات الذي لا تحكمه المسوغات المعتبرة قانونيا(5).

واشترط القانون الأساسي عرض القرارات بقانون على المجلس التشريعي في أول جلسة يعقدها بعد صدور هذه القرارات وإلا زال ما كان لها من قوة القانون، أما إذا عُرِضت على المجلس التشريعي على النحو السابق ولم يقرها زال ما يكون لها قوة القانون، هذا يعني أن عدم انعقاد المجلس التشريعي هو من أعطى المبرر للرئيس عباس بإصدار القرارات بقوانين.

ومن أخطر القرارات التي أصدرها الرئيس عباس قرار بقانون تشكيل أول محكمة دستورية فلسطينية مكونة من تسعة أعضاء، بوصفها هيئة قضائية عليا تمثل أعلى سلطة قضائية في البلاد، وهي أيضا صاحبة القول الفصل بتوافق أي قرار أو مرسوم أو قانون أو حكم قضائي مع القانون الأساسي الفلسطيني أعلى تشريع في البلاد، ويمكن للمحكمة الفصل في الخلافات والمنازعات سواء بين السلطات أو بين الأفراد، والنظر في مدى ملائمة القوانين والتشريعات والقرارات للقانون الأساسي، وكان من المفترض أن يتم إنشاء المحكمة الدستورية منذ 14 عام حسب القانون الأساسي الفلسطيني وليس الآن.

ونعتقد أن غالبية القرارات بقانون وقوانين كتلة التغيير لا تستدعيها حالة الضرورة، ولم تسهم إلا في تعزيز الانقسام ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وما يترتب عليه من انقسام واختلاف في الأحكام القضائية، والإجهاز على مفهوم المواطنة.

خامساً: تداعيات تعطل المجلس التشريعي

تأثر النظام السياسي والقانوني الفلسطيني بحالة الانقسام التي عانى منها الشعب الفلسطيني، حيث أقدم كل طرف من أطراف الانقسام على إصدار تشريعات وسن قوانين جديدة باستحداث آليات تتجاوز الإجراءات القانونية المعتمدة سابقاً قبل الانقسام، بحيث أصبح لدينا آليتان مختلفتان للتشريع وحتى فلسفتان تشريعيتان مختلفتان.

كما ترتب على تعطل أعمال المجلس التشريعي غياب دوره الرقابي على أداء السلطة التنفيذية وعلى آليات تنفيذ القوانين، مما أدى إلى تفرد السلطة التنفيذية بالحكم والتغول على السلطتين التشريعية والقضائية والتعدي على اختصاصاتهم، مما خلق حالة من التسلط في الحكم، أهم نتائجها أن رئيس السلطة الوطنية أصبح يسن القوانين والتشريعات ويعين القضاة ويقيلهم، حيث أصبح الرئيس يجمع في صلاحياته بين السلطات الثلاث في آن معا، في مشهد مخالف تماما لمبادئ الديمقراطية وللقانون الأساسي الفلسطيني.

وفي خطوة تمثل ذروة التعدي على السلطة التشريعية، أصدر الرئيس قراراً بقانون بتاريخ 9 ديسمبر 2016 لرفع الحصانة البرلمانية عن خمسة نواب في المجلس التشريعي الفلسطيني وهم النائب (جمال الطيراوي، محمد دحلان، نجاة أبوبكر، شامي الشامي، أشرف جمعة) وهم نواب عن حركة فتح(5)، مستنداً إلى قرار المحكمة الدستورية التفسيري التالي: (أنه في حالة عدم انعقاد المجلس التشريعي فإن للرئيس صلاحية رفع الحصانة عن النواب)، ولأن المجلس التشريعي لم ينعقد منذ عام 2007 فيصبح بناء على قرار المحكمة الدستورية من حق الرئيس رفع حصانة النواب، وفق قرار المحكمة الدستورية.

إن قرار رفع الحصانة البرلمانية، يدخلنا في مرحلة جديدة من تداخل الصلاحيات وتعدي السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية، بل ينذر بخطر انهيار السلطة التشريعية والفصل بين السلطات بشكل كامل. أما القانون الأساسي الفلسطيني فله رأي آخر حيث نصت المادة (53) بأنه (لا يجوز في غير حالة التلبس بجناية اتخاذ أي إجراءات ضد أي عضو من أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني، على أن يُبَلغ المجلس التشريعي فوراً بالإجراءات المتخذة ضد العضو، ليتخذ المجلس ما يراه مناسباً، وتتولى هيئة المكتب هذه المهمة إذا لم يكن المجلس منعقداً).

وبما أن القانون الأساسي الفلسطيني هو القانون الأعلى للبلاد والمنظم لاختصاصات السلطات الثلاث، استند النواب الذين تم فصلهم وكتلة التغيير والإصلاح التابعة لحركة حماس والكتل الأخرى عليه، باعتباره قرار الفصل غير دستوري،  حيث تقدم 35 عضو في المجلس التشريعي نصفهم تقريبا من حركة فتح بطلب لرئاسة المجلس لعقد جلسة طارئة لمناقشة قرار الرئيس برفع الحصانة عن عدد من نواب المجلس التشريعي(6)، ورفضت اللجنة القانونية بالمجلس التشريعي في غزة قرار الرئيس برفع الحصانة عن النواب(7)، واعتبار القرار غير دستوري، متمسكين بقوة القانون الأساسي الفلسطيني الذي أعطى المجلس التشريعي فقط الحق في رفع الحصانة عن أعضائه. وبعد هذه الجلسة أكد النواب على أن المجلس التشريعي مازال حياً وقادراً على الدفاع عن نوابه، وزادت بعد هذه الجلسة حالة الاشتباك القانوني بين الرئيس والمجلس التشريعي وزادت فرص تداخل الصلاحيات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وفي ذات الوقت ظهر رفض شعبي ونخبوي وفصائلي كبير لرفع الحصانات(8)، كما انطلقت هاشتاجات على مواقع التواصل الاجتماعي وصلت عشرات الآلاف من الرافضين للخطوة، نظرا لعدم قبول الشعب للتعدي الصارخ من قبل السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية(9).

وأدى تعطل المجلس التشريعي إلى عدم انتظام الانتخابات وتوقف دوريتها، فوفقا للنظام الأساسي الفلسطيني تتم الانتخابات التشريعية والرئاسية كل أربعة سنوات للحفاظ على الشفافية والحالة الديمقراطية وبقاء النظام السياسي قوي ومتجدد، أما اليوم فقد مضى على موعد الدعوة للانتخابات سبعة سنوات تقريبا، وهو ما يوضح بأننا أمام أزمة شرعيات بين رئيس ومجلس تشريعي انتهت ولايتهم منذ أكثر من سبعة سنوات، ما أدخلنا في خلاف آخر بين الرئيس وحركة حماس صاحبة الأغلبية في المجلس حول من منهم يمتلك شرعية انتخابية وشعبية ومن منهم انتهت شرعيته.

ومن الواضح أن تعطل أعمال المجلس التشريعي أدى إلى حالة استحواذ تام للسلطة التنفيذية على صلاحيات التشريع وعدم وجود مجلس تشريعي يراقب عمل السلطة التنفيذية إلى تغول الأخيرة على المواطنين من خلال انتهاكات مختلفة لحقوق الإنسان للمواطنين، كما طالت الموظفين العموميين من خلال قطع رواتبهم بدون رقيب ولا حساب وخلافاً لأحكام القانون، وحتى على من يمتلكون حصانة مثل النواب، وصولاً إلى منع حرية التعبير عن الرأي ومحاربتها بكل السبل الممكنة، وهذا ينطبق أيضاً على حكومة حركة حماس في غزة.

سادساً: انعقاد المجلس التشريعي

حددت المادة (16) من النظام الداخلي للمجلس التشريعي الدورة العادية بثمانية أشهر، كالتالي (يعقد المجلس بدعوة من رئيس السلطة الوطنية دورته العادية السنوية على فترتين، مدة كل منهما أربعة أشهر، تبدأ الأولى في الأسبوع الأول من شهر آذار/مارس والثانية في الأسبوع الأول من شهر أيلول/سبتمبر)، وهنا أعطت المادة (16) الحق لرئيس السلطة الوطنية في استدعاء المجلس للدورة العادية السنوية وافتتاحه(10)، ما يعني إعطاء الرئيس الحق في بدء انعقاد المجلس التشريعي ولكن المشرع لم يعطي الرئيس الحق في حل المجلس التشريعي وهو الأمر الذي تركه بيد المجلس التشريعي وحده، ونظراً لصعوبة التنقل وعدم سهولة التئام المجلس التشريعي جراء ممارسات الاحتلال والحصار المفروض على المدن الفلسطينية، أصدر الرئيس الراحل ياسر عرفات مرسومين لتمديد الدورة السادسة ستة أشهر على التوالي عام 2002، وفي المجلس التشريعي الثاني أصدر الرئيس محمود عباس مرسوم رئاسي في 5/3/2007 يقضي بتمديد الدورة الأولى للمجلس التشريعي الثاني لمدة أربعة أشهر(11)، وفعلا تم التمديد، وعند انقضائها أصدر الرئيس محمود عباس مرسوما رئاسياً في 5/7/2007، يدعو فيه المجلس التشريعي للانعقاد في دورته العادية الثانية في 11/7/2007 وذلك وفقا لأحكام المادة (16) من النظام الداخلي التي تخوله حق دعوة المجلس التشريعي لبدء الدورة السنوية العادية، ولكن سيطرة حركة حماس على قطاع غزة في 14/6/2007 منعت ذلك، حيث رفضت حركة حماس مرسوم الرئيس، وفي المقابل دعا النائب الأول أحمد بحر إلى البدء بدورة غير عادية بناء على طلب ربع أعضاء المجلس، وهذا الموقف حال أيضاً دون انتخاب هيئة المكتب، كما أن عدم عقد المجلس التشريعي الجلسة الافتتاحية في 11/7/2007 عطل سير عمل المجلس التشريعي وجعله في حالة عدم انعقاد، الأمر الذي سمح للرئيس محمود عباس يستخدم أحكام المادة (43) من القانون الأساسي وإصدار قرارات بقوانين، أي منح رئيس السلطة صلاحيات تشريعية دون العودة للمجلس التشريعي طالما هو في حالة عدم انعقاد.

وجدير ذكره أن المجلس التشريعي لم يلتئم كهيئة موحدة سوى مرة واحدة فقط بعد الانتخابات، وهذا يخالف أحكام القانون الأساسي والنظام الداخلي للمجلس التشريعي، ويحمل الموازنة مصاريف هائلة دون طائل، ورغم ذلك لم تجرى أية محاولات جدية لعقد المجلس التشريعي، ما يعزز من تغول السلطة التنفيذية وتفردها بالهيمنة على كافة الاختصاصات والصلاحيات.

سابعاً: أهمية انعقاد المجلس التشريعي

  1. يعتبر المجلس التشريعي السلطة الأهم في الدولة، لأنه المعبر الحقيقي عن إرادة الشعب.
  2. يترتب على اجتماعات المجلس التشريعي في الظروف الاعتيادية سن القوانين واتخاذ القرارات المعبرة عن تطلعات الشعب، وتتصف بالعدل والإنصاف.
  3. تعزز اجتماعات المجلس التشريعي من دوره في الرقابة والمساءلة والمحاسبة للسلطة التنفيذية، ومنع افرادها من التعسف في شؤون الحكم.
  4. يساهم المجلس التشريعي في التنمية الاجتماعية والاقتصادية من خلال دوره في إقرار الموازنات والخطط التنموية.

ثامناً: السيناريوهات المتعلقة بالمجلس التشريعي

هناك أكثر من تصور لما قد يطرأ على الساحة الفلسطينية في ظل عدم وجود أفق سياسي واضح وفي غياب البرنامج المشترك وفي وجود الانقسام.

  1. أن يبقي الحال على ما هو عليه، خاصة إذا ما بقي الانقسام واستمرت جولات الحوار المتقطعة بين حركتي فتح وحماس، التي تعطي انطباع بأنه رغم الحصار هناك تفاهمات بين الطرفين على عدم المغالاة في العداء حتى لا يصل لمستوى القطيعة، لذلك قد تبقى الأمور على حالها ويبقى المجلس التشريعي غير منعقد، وقد يتخلل هذه الفترة ردود فعل من قبيل عقد جلسة طارئة أو اجتماع منفرد من قبل حركة حماس وبمشاركة نواب آخرين.

أما حركة فتح وعلى رأسها الرئيس محمود عباس فغير مهتمة كثيرا بانعقاد المجلس التشريعي من عدمه، خاصة وأن لديه صلاحيات التشريع وقادر على ملئ الفراغ التشريعي بنفسه. ربما يكون هذا السيناريو الأقرب إلى الواقع بحكم تجذر الانقسام والشعور بأنه بات أمر واقع مقبول من قبل طرفيه.

  1. أن ينعقد المجلس التشريعي، حيث انطلقت دعوات من داخل حركة حماس ومن خارجها لانعقاد المجلس التشريعي، خاصة بعد أن أصدر الرئيس محمود عباس مجموعة من القرارات بقوانين أوحت بأنه لا داعى لوجود المجلس التشريعي طالما الرئيس أصبح مشرعاً، الأمر الذي لا يستهوي حركة حماس ولا الخصوم السياسيين للرئيس الذي جزء منهم برلمانيين من حركة فتح، وإذا ما استمر الانقسام والخصومة بين الرئيس ومجموعة من النواب الفتحاويين المقدرين بخمسة عشر نائب وعلى رأسهم النائب محمد دحلان، وإذا ما استطاعت حركة حماس استمالة نواب مستقلين أو نواب الجبهة الشعبية فقد تدعو إلى انعقاد المجلس التشريعي بعيدا عن قبول أو عدم قبول الرئيس الفلسطيني، وذلك لتأكيد شرعيتها من خلال وجودها كأغلبية في المجلس التشريعي، وهذا يتطلب حوار جدي بين الكتل البرلمانية وبين أعضاء البرلمان، وخاصة مع نواب الضفة الغربية لضمان حضورهم ليكتمل نصاب الانعقاد بحضور النصف+1، حيث نصت المادة (22) من النظام الداخلي للمجلس التشريعي الفلسطيني على أن الدورات غير العادية تكون بطلب من أعضاء المجلس و/أو مجلس الوزراء، وجاءت المادة (22) بالأحكام الخاصة للجلسات الطارئة(12)، التي تكون بطلب من رئيس السلطة الوطنية و/أو رئيس المجلس و/أو بطلب من ربع أعضاء المجلس، وبناء على ما سبق من حق رئيس المجلس التشريعي أن يدعو المجلس للانعقاد، ولكن لاستمرار الانعقاد وانتخابات هيئة مكتب لا بد من اكتمال النصاب. ولكم ما قد يمنع هذا السيناريو، أولاً اعتقال مجموعة من نواب حركة حماس لدى الاحتلال ما قد يمنع من الوصول للنصاب القانوني، وثانياً عدم قبول النواب المستقلين أو نواب المبادرة أو الجبهة الشعبية الدخول في معترك أو مواجهة مع الرئيس، وربما هذا هو الحل الأمثل لحل أزمة المجلس التشريعي في ظل عدم وجود بوادر للدعوة لانتخابات في الوقت الحالي، وفي ظل تجذر الانقسام.
  2. حل المجلس التشريعي، وهذا أمر متوقع بعد أن قام الرئيس عباس بسحب حصانة مجموعة من النواب من الممكن أن يقوم بخطوة متقدمة في الخلاف وتجذير الانقسام بأن يعلن انتهاء ولاية المجلس التشريعي ويعتبره منحلاً، خاصة وأن الرئيس عباس تم تمديد ولايته هو والمجلس التشريعي عام 2009 من قبل المجلس المركزي الفلسطيني (وهذا أمر يحتاج لدراسة للتأكد من قانونيته)(13).

هذا السيناريو قد يتحقق في المستقبل إذا ما ازدادت حدة الاشتباك بين حركتي فتح وحماس، وخاصة بين المؤسسة التشريعية الأعلى في فلسطين وبين الرئيس عباس الذي بات يمتلك صلاحيات التشريع ويستخدمها بشكل جيد.

ومن معيقات هذا السيناريو عدم امتلاك الرئيس سلطة حل البرلمان، ولكن بالإمكان الاستناد لرأي تفسيري من المحكمة الدستورية يخالف الدستور، بإعطاء الرئيس هذه السلطة.

  1. انتخاب برلمان جديد، وهذا قد يتم إذا ما دعا الرئيس عباس بالتوافق مع حركة حماس وباقي الفصائل إلى الدعوة لانتخابات برلمانية، أو في حال انتهي الانقسام وتم الاتفاق على الدعوى لانتخابات رئاسية وبرلمانية، في حينها سوف تنتهي أزمة المجلس التشريعي الحالية، وسيأتي برلمان جديد بأعضاء جدد وبدورة تشريعية جديدة(14)، وسيعود التشريع مرة أخرى للمجلس التشريعي ويكون من صلاحياته فقط وليس من ضمن مهام الرئيس، خاصة بعد انتهاء الظروف غير العادية والطارئة وحالات الضرورة التي عطلت المجلس التشريعي في السابق ومنحت الرئيس حق التشريع وفق المادة (43) من القانون الأساسي الفلسطيني، هذا السيناريو يتطلب مقدمات كثيرة قبله لإنهاء مظاهر الانقسام أولاً، حيث قبل الانتخابات لابد من توحيد المؤسسات القضائية في الضفة والقطاع وتوحيد الأجهزة الأمنية وباقي مؤسسات الوطن، وإنهاء الملفات العالقة بين الطرفين مثل ملف موظفي حركة حماس والسلاح غير الرسمي والمصالحة المجتمعية، وذلك لضمان التهيئة لإجراء انتخابات ديمقراطية ولضمان قبول الجميع بنتائج الانتخابات. وهذا سيناريو مستبعد حتى اللحظة ولكنه ممكن إذا توفرت الإرادة السياسية الحقيقية للتغيير ولإنهاء الانقسام الذي خيم على كل جوانب الحياة الفلسطينية.

تاسعاً: التوصيات

  1. الضغط من أجل حمل المجلس التشريعي لعقد جلسة موحدة بكامل هيئته.
  2. إيلاء الاهتمام وإعطاء الأولوية في ملف المصالحة إلى توحيد السلطة التشريعية أولاً وليس السلطة التنفيذية.
  3. تحشيد أعضاء المجلس التشريعي من أجل الدفاع عن صلاحياتهم واختصاصاتهم في الحدود التي رسمها القانون الأساسي.
  4. التوافق على وقف سن قوانين جديدة سواء قرارات بقانون أو قوانين من كتلة التغيير والإصلاح.
  5. تنظيم جلسات حوار متخصصة من أجل انعقاد المجلس التشريعي الفلسطيني بأغلبية وطنية شاملة.
  6. تنظيم حملة مناصرة لإطلاق سراح النواب الأسرى لدى الاحتلال، من خلال تشكيل لجنة وطنية للدفاع عن حصانة النواب على الصعيد الداخلي الفلسطيني وفي مواجهة الاحتلال.
  7. إلغاء قرارات رفع الحصانة البرلمانية عن النواب الخمسة، وعدم تكرار هذه الخطوة بحق أي نائب لاحقاً.

 

(1) أبو فاشية، وسيم، وآخرون، أوراق في النظام السياسي الفلسطيني وانتقال السلطة، مواطن: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، فلسطين، 2013، ص ص 133 – 136.

 

 

(2) المادة (75) من القانون الأساسي المعدل.

 

 

(3) رزقة، يوسف، ملف موظفي غزة يُحل بالاتفاق بين فتح وحماس على طاولة مستديرة، وكالة فلسطين اليوم الإخبارية،  25/2/2014،https://paltoday.ps/ar/post/191532.

 

 

(4) جاء في المادة (110) من القانون الأساسي: 1 عند وجود تهديد للأمن القومي بسبب حرب أو غزو أو عصيان مسلح أو حدوث كارثة طبيعية يجوز إعلان حالة الطوارئ بمرسوم من رئيس السلطة الوطنية لمدة لا تزيد عن ثلاثين يومًا.

 

 

(5) للمزيد من الاطلاع حول التشريعات في ظل الانقسام، أنظر: عبد العاطي، صلاح، ورقة حقائق حول التشريعات والقرارات بقوانين/المراسيم الصادرة خلال فترة الانقسام من منظور جندري (2007-2016)، شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، فلسطين، نوفمبر 2016، ص 8.

 

 

(5) عواد، عمار، عباس يرفع الحصانة عن 5 نواب في المجلس التشريعي، رويترز، 12/12/2016، http://cutt.us/JPif7.

 

 

(6) النجار، أحمد جمال، مذكرة قانونية حول قرار الرئيس رفع الحصانة عن نواب بالتشريعي، مفوضية الاعلام والثقافة، 13/12/2016،http://www.fatehmedia.net/ar/Details/133252.

 

 

(7) التشريعي الفلسطيني يرفض رفع حصانة نواب فيه، الجزيرة، 21/12/2016،http://cutt.us/k0zeD.

 

 

(8) المبادرة وفلسطين المستقلة: قرار رفع النواب مخالف للقانون، وكالة معا الإخبارية، 17/12/2016، https://www.maannews.net/Content.aspx?id=881986.

 

 

(9) خاطر، ترنيم، حقوقيون لأمد: الحصانة مكفولة بالقانون ولا يحق لعباس أو المحكمة الدستورية المساس بها، أمد، 14/12/2016، https://www.amad.ps/ar/?Action=PrintNews&ID=150537.

 

 

(10) النظام الداخلي للمجلس التشريعي الفلسطيني لسنة 2000، قانون، 20/10/2012، http://www.qanon.ps/news.php?action=view&id=1973.

 

 

(11) للاطلاع على المرسوم الرئاسي، أنظر: المراسيم الرئاسية وقرارات مجلس الوزراء، لجنة الانتخابات المركزية، فلسطين،https://www.elections.ps/ar/tabid/640/language/en-US/Default.aspx.

 

 

(12) المجلس التشريعي الفلسطيني النظام الداخلي، http://muqtafi.birzeit.edu/pg/getleg.asp?id=14227.

 

 

(13) المركزي يمدد لحماس وعباس، فلسطين أون لاين، 19/12/2009، http://cutt.us/RsEdB.

 

 

(14) أنظر: البزم، إبراهيم خليل، أثر النظم الانتخابية التشريعية في تشكيل النظام السياسي الفلسطيني (1996-2012) دراسة ميدانية، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية، جامعة الأزهر، 2014، ص 66.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ملاحظه بعد نموذج التعليق