التصنيفات
أوراق موقف

ورقة موقف: إجراءات حكومة التوافق الوطني ضد غزة بين المبررات السياسية وسياسة العقاب الجماعي.

أثارت الإجراءات التي اتخذتها حكومة التوافق الوطني بخصم ما يقارب 40% من رواتب الموظفين التابعين للسلطة الوطنية في غزة؛ وقطع رواتب (٥٤٢) من العاملين في جامعة الأقصى، وقطع رواتب مجموعة جديدة من الموظفين العسكريين، ردود فعل غاضبة على كافة المستويات، نظراً للانعكاسات السلبية لهذه الإجراءات على مجمل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية المتردية أصلاً في غزة بسبب الاحتلال الإسرائيلي وما يفرضه من حصار شامل وكامل على القطاع منذ اختطاف الجندي جلعاد شاليط صيف عام 2006، بالإضافة لاستمرار الانقسام السياسي الذي ألقى بظلاله الثقيلة على مجمل الأوضاع في غزة، وفي ظل استمرار حالة إلقاء المسؤولية عن تردي الأوضاع بين حكومة التوافق برئاسة الدكتور رامي الحمد لله، وبين لجنة إدارة غزة المعينة من قبل حركة حماس، مما آثار طرح مجموعة من التساؤلات المشروعة حول: مبررات هذه الخطوة؟ ومدى توافقها مع القانون الأساسي والمسؤولية السياسية والحس الوطني؟ وهل هي إجراء مؤقت أم إجراء دائم؟ وما هي تداعياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية على مجمل الأوضاع في غزة؟ وكيف يمكن مواجهتها سياسياً وقانونياً وجماهيرياً؟

ورقة موقف: إجراءات حكومة التوافق الوطني ضد غزة  بين المبررات السياسية وسياسة العقاب الجماعي.

مقدمة

أثارت الإجراءات التي اتخذتها حكومة التوافق الوطني بخصم ما يقارب 40% من رواتب الموظفين التابعين للسلطة الوطنية في غزة؛ وقطع رواتب (٥٤٢) من العاملين في جامعة الأقصى، وقطع رواتب مجموعة جديدة من الموظفين العسكريين، ردود فعل غاضبة على كافة المستويات، نظراً للانعكاسات السلبية لهذه الإجراءات على مجمل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية المتردية أصلاً في غزة بسبب الاحتلال الإسرائيلي وما يفرضه من حصار شامل وكامل على القطاع منذ اختطاف الجندي جلعاد شاليط صيف عام 2006، بالإضافة لاستمرار الانقسام السياسي الذي ألقى بظلاله الثقيلة على مجمل الأوضاع في غزة، وفي ظل استمرار حالة إلقاء المسؤولية عن تردي الأوضاع بين حكومة التوافق برئاسة الدكتور رامي الحمد لله، وبين لجنة إدارة غزة المعينة من قبل حركة حماس، مما آثار طرح مجموعة من التساؤلات المشروعة حول: مبررات هذه الخطوة؟ ومدى توافقها مع القانون الأساسي والمسؤولية السياسية والحس الوطني؟ وهل هي إجراء مؤقت أم إجراء دائم؟ وما هي تداعياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية على مجمل الأوضاع في غزة؟ وكيف يمكن مواجهتها سياسياً وقانونياً وجماهيرياً؟

أولاً: مبررات قرار حكومة التوافق الوطني

منذ حدوث الانقسام الفلسطيني عقب سيطرة حركة حماس على غزة بالقوة المسلحة، دخل النظام السياسي مرحلة جديدة تتسم بالمناكفة السياسية والاجراءات غير القانونية وبشكل تعسفي من قبل طرفي الانقسام، بالإضافة لانتهاكات القانون الأساسي وحقوق الإنسان، في محاولة للحصول على مكاسب سياسية تدعم كل طرف في مواجهة الآخر.

وفي سياق هذه المرحلة اتخذت حكومة التوافق الوطني منذ فترة ليست بالقصيرة مجموعة من الإجراءات الإدارية بحق موظفي السلطة الوطنية في غزة خارج نطاق القانون، الذي ينظم العلاقة بين الموظف الحكومة تحت حجج ومبررات سياسية ومالية، كانت البداية مع خصم علاوة القيادة والمخاطرة وبدل المواصلات قبل عامين تقريباً، وقد بررت الحكومة ذلك كون موظفين السلطة في غزة المحسوبين، رغم أن الحكومة السابقة برئاسة الدكتور سلام فياض هي من طلبت منهم الجلوس في البيوت، وعدم التعاطي مع حكومة الأمر الواقع التي شكّلتها حركة حماس لإدارة القطاع.

وفي سياق تقديم تبرير لهذه الخطوة التي جاءت بدون سابق انذار؛ أوضحت حكومة التوافق الوطني أن الخصومات على رواتب الموظفين طالت العلاوات فقط وجزء من علاوة طبيعة العمل دون المساس بالراتب الأساسي، وذلك لأسباب تتعلق بالحصار المالي الخانق الذي يفرض على السلطة، إضافة إلى انعكاسات آثار الانقسام وحصار وإجراءات الاحتلال الرهيبة. حيث صرح المتحدث الرسمي باسم حكومة التوافق “يوسف المحمود”، مساء يوم الثلاثاء 4/4/2017، “أن هذا الإجراء مؤقت ولن يطال تحويلات الشؤون الاجتماعية والمعونات الإنسانية”. وشدد المتحدث الرسمي على أن الضغوط التي تُمارس على القيادة الفلسطينية ومنها الضغوط المالية المتمثّلة بانخفاض وتقليص مستوى الدعم الخارجي قد وصلت إلى ما يفوق 70% عن معدلاتها عبر السنوات الماضية، الأمر الذي أجبر الحكومة على اتخاذ مثل هذه الخطوة من أجل ضمان استمرارية دفع فاتورة الرواتب. وأكد أن هذه الخطوة نصت عليها أجندة السياسات الوطنية في أمر معالجة الصعوبات المالية، مضيفا أن الحكومة أوضحت أن استمرار الانقسام والإجراءات التي اتخذتها حكومة الأمر الواقع في المحافظات الجنوبية، بما فيها التمرد على المحكمة الدستورية وتفعيل اللجنة الإدارية التي بدأت تعمل كحكومة موازية، ومواصلة حركة حماس جباية الإيرادات والاستيلاء عليها وعدم إعادتها إلى الخزينة، قد أثر بشكل سلبي على الوضع المالي وفاقم الأزمة المالية إلى هذا الحد الذي وصلنا إليه، خاصة وأن كل ذلك يجري تحت الحصار والاحتلال الإسرائيلي([1]).

وفي سياق متصل أكد عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية “أحمد مجدلاني” أن هذه الخصومات تأتي استجابة للضغوط الدولية التي تمارس على السلطة الفلسطينية، وأن التقليصات الأخيرة في رواتب موظفي الحكومة في قطاع غزة جاءت بعد اتفاق مع الاتحاد الأوروبي، ورأى أن هذه التقليصات الأخيرة على رواتب السلطة في غزة والاجراءات الادارية التي أعلنتها الحكومة تعتبر في إطار الاصلاحات المالية التي يطالب بها الاتحاد الأوروبي لاستمرار دعم ميزانية السلطة ([2]).

ثانياً: مدى توافق هذه الإجراءات مع القانون الأساسي والحس الوطني

لا شك أن أي نظام سياسي أو أي حكومة لديها مسؤوليات سياسية واجتماعية تجاه كافة فئات المجتمع، وكافة المناطق الجغرافية الخاضعة لولاية هذه الحكومة أو النظام السياسي، ولا شك أيضاً أن مثل هذه الإجراءات التي تميز فيها الحكومة ما بين موظف وآخر، أو بين منطقة جغرافية وأخرى، يعتبر انتهاك صارخ لسيادة القانون، ومبدأ المساواة، والمسؤولية السياسية والاجتماعية والأخلاقية، خاصة في ظل تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في غزة.

فقد نظم القانون الأساسي الفلسطيني المعدل عام 2003/2005، على مبدأ المساواة وعدم التمييز أمام القانون، فقد نصت المادة 6 من الباب الأول على: مبدأ سيادة القانون أساس الحكم في فلسطين، وتخضع للقانون جميع السلطات والأجهزة والهيئات والمؤسسات والأشخاص. وكذلك نصت المادة 9 من الباب الثاني على أن: الفلسطينيين أمام القانون والقضاء سواء لا تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة ([3]).

وأكدت المادة (51) من قانون الخدمة المدنية المعمول به في السلطة الفلسطينية على أنه يصرف الراتب الإجمالي للموظف حسب قانون الخدمة المدنية الفلسطيني المعدل لسنة 2005م، على أساس استحقاقات: الراتب الأساسي مع علاوة الدرجة، وعلاوة الاختصاص، وعلاوة اجتماعية للزوج والأولاد، بدل انتقال من مكان السكن إلى مكان العمل، وعلاوة غلاء المعيشة، وعلاوة ندرة، وعلاوة مخاطرة، وعلاوة طبيعة عمل، وعلاوة إدارية: تمنح لمن يشغلون مواقع إشرافيه قيادية ([4]).

بالإضافة لذلك حددت المادة (68) من قانون الخدمة لقوى الأمن الفلسطينية رقم (8) لعام 2005م، العلاوات والبدلات والاستقطاعات، وفق بنود محددة، وخلاف ذلك يحددها القانون، فقد نصت المادة على ما يلي: تحدد بنظام فئات العلاوات والبدلات والاستقطاعات وفقا لما يلي: أولاً: العلاوات والبدلات: 1. علاوة اجتماعية للزوج والأولاد 2. علاوة اختصاص. 3. علاوة قيادة. 4. علاوة إقليم. 5. علاوة مخاطرة. 6. بدل انتقال من مكان السكن إلى مكان العمل. وتحدد اللائحة التنفيذية قواعد صرفها. ثانياً: الاستقطاعات: 1. قسط التأمين والمعاشات وفقاً لأحكام قانون التقاعد العام. 2. قسط التامين الصحي وفقاً لنظام التامين الصحي المعمول به في السلطة الوطنية. 3. ضريبة الدخل حسب القانون. 4. أية استقطاعات أخرى يحددها القانون ([5]).

أما فيما يتعلق بالحس الوطني والمسؤولية السياسية والأخلاقية، فإن هذا القرار يتعارض مع المسؤولية السياسية والأخلاقية الواقعة على حكومة التوافق الوطني وعلى الرئيس الفلسطيني، لأن القرار فيه إجحاف وتمييز واضح بحق غزة ككل، مما أثار ردود فعل غاضبة من كافة القوى السياسية والاجتماعية، وفي إطار رصد بعضا منها قال الدكتور رياض العلية أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأزهر “إن هذا الاجراء سوف يؤدي لفك الارتباط ما بين السلطة في الضفة وغزة، وتساءل “هل الأزمة المالية تطول كل موظفي السلطة الوطنية أم فقط موظفي السلطة للوطنية في غزة؟ نأمل ألا يكون موظفي السلطة في قطاع غزة هم فقط المستهدفون، فهذا يعني فك ارتباط” ([6]). وفي نفس السياق تساءل اللواء “مازن عز الدين” أحد قيادات السلطة السابقين عن جدوى هذه الإجراءات ومبرراتها، والنتائج المتوقعة منها، حيث قال “هناك تساؤلات مؤلمة وتفقد الحكماء صوابهم، من بينها: هل هذه الخطوة التي استهدفت غزة دون الضفة خطوة صحيحة؟ وهل تخدم وحدة تمثيلكم لجميع الوطن؟  وهل الحكومة تكرس الانقسام أم مهمتها انهاء الانقسام؟ هل مهمة الحكومة تشطير الوطن أم استعادة اللحمة الوطنية؟ ورأى أن هذه الإجراءات تضعف موقف القيادة الفلسطينية باعتبارها ممثل للشعب الفلسطيني أمام الإدارة الأمريكية الجديدة” ([7]).

وعليه يمكن القول إن هذه الإجراءات تتعارض مع القانون الأساسي والمسؤولية السياسية والأخلاقية، وتعزز الانقسام، تساهم في انفصال غزة عن باقي الوطن، وتعتبر غير شرعية ومجحفة بحق المواطن الفلسطيني، وتعزز الشعور بالتمييز بين المواطنين على أساس جغرافي وقبلي، وتعطي نظرة سلبية عن الحكومة الفلسطينية والنظام السياسي الذي أصبح وفق هذه الإجراءات غير القانونية أول من ينتهك القانون الفلسطيني، مما يتطلب سرعة التراجع عنها.

ثالثا: موقف الفصائل الفلسطينية من قرار الحكومة

آثار قرار الحكومة الفلسطينية خصم ما يقارب 40% من رواتب الموظفين؛ ردود فعل غاضبة من كافة الفصائل والقوى السياسية والاجتماعية الفلسطينية، نظراً لمخالفة القرار القانون الأساسي، وتداعياته السلبية على مجمل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية أصلاً في غزة، الأمر الذي أثار حفيظة الشارع الفلسطيني  والتي عبرت عنها وسائل التواصل الاجتماعي بقوة، وأدى لاستقالات جماعية في تنظيم حركة فتح احتجاجاً على هذا القرار، الذي يأتي في إطار تصور السلطة الجديد للتعامل مع غزة من منظور تقليل نفقات السلطة في غزة، عبر سياسة أصبحت ممنهجة؛ تهدف من جانب لدفع موظفي السلطة للقبول بالتقاعد المبكر حسب القانون الذي يتم الإعداد له، وممارسة ضغوط اقتصادية على حماس من جانب آخر، خاصة بعد تشكيل حركة حماس لجنة لإدارة قطاع غزة بعيداً عن حكومة التوافق الوطني.

إلا أن هذا القرار واجه معارضة قوية من قبل كل الفصائل الفلسطينية، حيث طالبت القوى الوطنية والاسلامية في قطاع غزة يوم الأربعاء الموافق 5/4/2017م، الرئيس محمود عباس وحكومة التوافق الوطني بالتراجع عن قرار الاقتطاع من رواتب الموظفين العموميين في قطاع غزة. واعتبرت أن اقتصار ذلك على قطاع غزة يمثل تمييزاً واضحاً بين أبناء الشعب الواحد واعتبرت أن هذا القرار غير قانوني. وأضافت أن المبررات التي تقدمت بها الحكومة غير مقبولة، كما أنها تحمل الموظفين وعائلاتهم في غزة عبئ الحصار المالي الذي تدعيه في تمييز واضح بين موظفي القطاع العام على أساس جغرافي، وأكدت أن السبيل الوحيد لحل الأزمات المتتالية يكمن في معالجتها وليس تعميقها مما يتطلب المسارعة بإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة بتطبيق كل ما اتفق عليها ([8]).

ومن جانب آخر رفض عضو اللجنة المركزية لحركة فتح جمال محسين هذه القرار واعتبره قرار ظالم، حيث أكد أن خصم جزء من الراتب لموظفي السلطة في القطاع إجراء باطل وظالم ولا يجوز أن يستمر، وأن هذا الإجراء يجب أن يوقف فوراً، وعلى الحكومة أن تصرف رواتب الموظفين بشكل كامل دون أي اقتطاع. ([9]). وفي إطار الردود على هذه الإجراءات؛ أعلنت حركة فتـــح في المحافظات الجنوبية، رفضها القرار الجائر بحق موظفي القطاع ودعت لإقالة حكومة “رامي الحمد الله”، حيث أعلنت حركة فتح في قطاع غزة في بيان صحفي، رفضها القاطع لهذا القرار الجائر، رافضة كافة المبررات التي أعلنتها الحكومة الفلسطينية، وحذرت الحركة من التداعيات السياسية الخطيرة التي يمكن أن تترتب على استمرار هذا النهج من التمييز بين أبناء الشعب الواحد، وأعلنت الحركة أنها تدرك حجم الضغوطات السياسية والمالية التي تتعرض لها القيادة الفلسطينية إلا أن التصدي لهذه الضغوطات يستدعي تضافر كافة الجهود لمواجهتها، وأن يتحمل كافة موظفي السلطة الوطنية الفلسطينية في كافة أماكن تواجدهم تبعات هذه الضغوطات دون التمييز بينهم. وحملت حركة فتــــــح حكومة الحمد الله المسؤولية المباشرة عن سياسة التمييز والتهميش التي تتبعها بحق موظفي قطاع غزة. وفي هذا السياق ادانت واستهجت ورفضت كافة منظمات المجتمع المدني القرار واعتبرته غير مبرر وتميزي و يفتقر لأي مسوّغ قانوني وحذرت من تداعيات القرار  الكارثية خاصة وأن غالبية الموظفين لديهم التزامات مالية وقروض بنكية، وحقوق مالية وقانونية لآخرين، وهذه الخصومات ستسهم في عجز الموظفين عن الوفاء في سداد تلك الالتزامات، مما سينعكس بشكل خطير على ما تبقى من اقتصاد في قطاع غزة بشكل عام وحياة الموظفين وعائلاتهم وكرامتهم بشكل خاص.

رابعاً: تداعيات القرار على الأوضاع في غزة

لا شك أن قرار بهذا الحجم وفي ظل هذه الظروف التي تشهد تردي الأوضاع الاجتماعية والإنسانية في قطاع غزة منذ سنوات، سوف ينعكس بشكل سلبي على كل مناحي الحياة في القطاع، خاصة أن رواتب موظفي السلطة الفلسطينية تعتبر المحرك الأساس للحركة التجارية والاقتصادية في غزة، فهم الشريحة الأكبر، والأكثر انفاقاً، في ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة التي وصلت لمعدلات غير معقولة، حيث وصلت نسبة الفقر في قطاع غزة إلى 65%، ونسبة البطالة 43%، فيما تبلغ وسط الشباب 63.8%. ويُعاني 72% من عائلات قطاع غزة من انعدام الأمن الغذائي، حيث ما تزال (4600) عائلة في قطاع غزة مشردة بلا مأوى حتى الآن، و(4000) عائلة تعيش في خيام أو بيوت من البلاستيك. مما دفع المدير الإقليمي للبنك الدولي إلى التحذير من خطورة الأوضاع في غزة، حيث قال “ستين لو يورغينسون” المدير الإقليمي للبنك الدولي في الضفة الغربية وقطاع غزة: “تعتبر أرقام البطالة والفقر في قطاع غزة مقلقة جداً والتوقعات الاقتصادية مزعجة نظراً لعدم قدرة الأسواق القائمة في قطاع غزة على توفير فرص عمل، مما ترك شريحة واسعة من السكان ولا سيما الشباب في حالة من اليأس. وقد تسبب الحصار المستمر وحرب عام 2014 بآثار مدمرة على الاقتصاد في قطاع غزة وعلى معيشة الناس، كما اختفت صادرات غزة وتقلص قطاع الصناعة بنسبة تصل إلى 60 % وأصبح الاقتصاد غير قادر على الصمود دون الارتباط بالعالم الخارجي”. وأوضح المسؤول الدولي “أن الوضع القائم في قطاع غزة غير قابل للاستمرار، حيث التحسن مشروط بتخفيف الحصار أولا للسماح بإدخال مواد البناء بكميات كافية؛ بالإضافة لحركة الصادرات إلى جانب تمويل المانحين، حيث عمل البنك الدولي على مراقبة معدل صرف التزامات الجهات المانحة والبالغة حالياً 27.5% فقط، كما تعتبر أنظمة الحوكمة الفاعلة والتعزيز المؤسسي في ظل قيادة السلطة الفلسطينية من الشروط الأساسية للانتعاش الاقتصادي المستدام في قطاع غزة” ([10]).

وما يؤكد أن الأمر لا يتعلق بالضغوط المالية، وإنما هو سياسة لدى الحكومة للتخلص من مسؤوليتها تجاه غزة، يشير تقرير سلطة النقد الفلسطينية خلال الربع الرابع من العام الماضي إلى ارتفاع الايرادات غير الضريبية بشكل ملحوظ خلال العام، وارتفاع في الايرادات المحلية خلال الفترة المذكورة، تحقيق فائض في الحساب الجاري بقيمة 82.6 مليون شيكل، كما بلغ حجم المنح والمساعدات الخارجية خلال العام 2016 للحكومة الفلسطينية نحو 2.9 مليار شيكل، وهذا يدلل على التحسن في حجم المنح والمساعدات المالية الدولية خلال العام المنصرم، وتدحض فكرة وجود الضائقة المالية التي تحاول الحكومة الفلسطينية استخدامها كمبرر لقرارها الأخير ضد موظفيها المدنيين والعسكريين في غزة ([11]). لذلك أدنت مراكز حقوق الإنسان في غزة هذه الاجراءات الأخيرة التي اتخذتها حكومة الوفاق الوطني في رام الله بحق موظفي غزة، والتي طالت خصومات على رواتبهم، وصلت إلى ما نسبته 30% من إجمالي رواتبهم، وتجاوزت الـ 50% لموظفي الدرجات العليا وأصحاب الرواتب المرتفعة. ورأت فيها مقدمة لقطع رواتبهم بالكامل وتخلي الحكومة عن التزاماتها القانونية تجاه موظفيها الذين التزموا بقرار رئاسي سابق طالبهم بعدم التوجه لوظائفهم في منتصف العام 2007([12]).

لذلك هناك من أعتبر أن الخصومات على الرواتب ستحول قطاع غزة لقنبلة موقوتة آيلة للانفجار، فهذه الخطوة تعتبر فصل تدريجي لقطاع غزة، وتعزيزاً لدولة في الضفة الغربية، مشيراً إلى وجود تنصل وتقسيم وتجزئة للكيانية السياسية والمعنوية الفلسطينية، فالسلطة بذلك تفك الارتباط بغزة وتريد حصر مشروعها فقط في الضفة، فتداعيات هذا الأمر خطير ويمس المشروع الوطني بشكل عام، وينتج بيئة ستعزز فرض وقائع أخرى على غزة ([13]).

وفي ضوء هذه المعطيات، وفي ضوء موقف الهيئة الدولية الذي عبرت عهن في بيان سابق[14]  ، تؤكد الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد) على النقاط التالية:

  • تعتبر هذه الإجراءات التي اتخذتها حكومة التوافق الوطني بحق الموظفين، غير دستورية وغير قانونية، وتخالف القانون الأساسي الفلسطيني، وتعتبر انتهاك لحقوق الإنسان وعقاب جماعي، وانتهاك صارخ للعلاقة القانونية التي تربط بين الموظف والحكومة.
  • إن قرار الخصم من رواتب موظفي السلطة في غزة وقطع رواتب موظفين عسكريين وقطع رواتب موظفي جامعة الأقصى، يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الأساسي المعدل للسلطة الفلسطينية للعام 2003، ولقانوني الخدمة المدنية وقانون الخدمة في قوى الأمن الوطني رقم (8) لعام 2005 وتعديلاتهما.
  • تشكّل هذه الإجراءات تمييزاً واضحاً من قبل السلطة الوطنية تجاه غزة ومواطنيها، وتعتبر تخلي من قبل حكومة التوافق الوطني عن مسؤولياتها السياسية والأخلاقية عن جزء مهم من الوطن.
  • تعزز هذه الإجراءات غير القانونية من إمكانية فصل الضفة الغربية عن غزة بشكل كامل، وتعطي مؤشر سلبي حول توجهات السلطة والقيادة الفلسطينية تجاه غزة، في ظل الدعوات المتكررة بتوحيد الصف الفلسطيني.
  • تساهم هذه الإجراءات في تعزيز الانقسام، وفي فك ارتباط العلاقة السياسية والقانونية التي تربط بين السلطة الفلسطينية وغزة، على المستوى السياسي والإداري، وتعزز فكرة قيام كيان مستقل في غزة.
  • تساهم هذه الإجراءات في تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وسوف تؤثر على كل مناحي الحياة في غزة، وسوف يتأثر بها كافة شرائح المجتمع، ويمكن أن تؤدي لركود اقتصادي وسوف تنعكس على مستوى تأييد الشارع الفلسطيني للقيادة الفلسطينية، وتوجهاتها السياسية، مع قرب الدخول في مفاوضات سلام جديدة.
  • لا يمكن القبول بأخذ الاتحاد الأوروبي والضغوط الدولية مبرر للخصومات، حيث أن قرار الاتحاد الأوروبي بوقف دعم بند الرواتب ليس جديداً، فقد أبلغ الاتحاد الأوروبي السلطة الفلسطينية بذلك منذ عدة أشهر مضت، وفي المقابل لم تلجأ السلطة إلى اتخاذ أية خطوات لمواجهة تبعات القرار الأوروبي، ما يشير إلى غياب أي مستوى من المسؤولية المهنية والأخلاقية تجاه إيجاد حلول واقعية لحماية الموظفين وضمان استمرار رواتبهم، وعدم التصرف بمهنية لمواجهة أي تداعيات طارئة.
  • يعتبر قرار الخصم وقطع الرواتب تعدي على حقوق الموظفين وأفراد أسرهم في مستوى معيشي لائق يكفل لهم الحياة الكريمة، وما يكفي لهم من المأكل والملبس والغذاء والمأوى الملائم، وحمايتهم من المرض والعوز والعجز والحرمان، والاستقرار الوظيفي، كما يرى المركز اقتصار قرار خصم الرواتب على موظفي قطاع غزة دون الضفة الغربية شكلاً من أشكال التمييز الذي ينتهك مبدأ المساواة والقضاء على كافة أشكال التمييز.

وبناء عليه سبق تؤكد الهيئة الدولية بأن المخرج من الازمات الفلسطينية هو استعادة الوحدة الوطنية وتهيئة الشروط لأجراء انتخابات رئاسية وتشريعية وإعادة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية ولحين إتمام ذلك توصي الهيئة بالتالي:

  • على السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس إصدار قرار فوري بوقف هذه الإجراءات التعسفية بحق موظفي السلطة في غزة وبحق موظفي جامعة الأقصى، وإعادة الأمور إلى نصابها.
  • على كافة القوى السياسية والاجتماعية والمنظمات الأهلية الوقوف والتحرك لوقف هذه الإجراءات وتداعياتها السلبية.
  • على حكومة التوافق الوطني تحمل مسؤولياتها السياسية والأخلاقية والقانونية تجاه غزة، وليس التخلي عنها، أو حل مشاكلها المالية على حساب هذا الجزء المهم من الوطن.
  • على نقابات الموظفين والمؤسسات المعنية بالعمل من اجل رفع دعوى عاجلة أمام محكمة العدل العليا، بهدف استصدار قرار عاجل بوقف هذه الإجراءات غير القانونية بحق الموظفين في قطاع غزة.
  • على القوى الوطنية والإسلامية الوقوف أمام مسؤولياتها والتصدي لقرار خصومات الرواتب، ومطالبة الرئيس وحكومة التوافق بعودة الرواتب لكل من تم قطع راتبه حاليا وفي السابق، وإرجاع كافة الخصومات لموظفي غزة، والتحرك الجاد لوقف انتهاكات حقوق الموظفين والانسان الداخلية والعمل لاستعادة الوحدة الوطنية وإعادة بناء النظام السياسي على أسس الشراكة وسيادة القانون
  • على المجتمع الدولي الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية الدولية الوقوف عند مسؤولياتهم الإنسانية والأخلاقية القانونية، بالاستمرار في دعم كافة الشرائح والقطاعات في الأراضي الفلسطينية وضمان إيجاد معالجات لرفع الحصار عن قطاع غزة وإعادة الاعمار، ودعم عملية المصالحة والتوقف عن ممارسة أي ضغوط على السلطة الفلسطينية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *