
«حشد» توجه مذكرة أممية ودولية بشأن الكارثة البيئية في غزة وتطالب بمساءلة الاحتلال وإدراج العدالة البيئية في التعافي وإعادة الإعمار
التاريخ: 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2026
خبر صحافي
«حشد» توجه مذكرة أممية ودولية بشأن الكارثة البيئية في غزة وتطالب بمساءلة الاحتلال وإدراج العدالة البيئية في التعافي وإعادة الإعمار
أرسلت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني «حشد» مذكرة إحاطة حقوقية وقانونية إلى عدد من الجهات الأممية والدولية المختصة، بمناسبة اليوم الدولي لمنع استغلال البيئة في الحروب والنزاعات المسلحة، حول الكارثة البيئية في قطاع غزة ومسؤولية الاحتلال الإسرائيلي عن تدمير الموارد الطبيعية وآثار التلوث الحربي، مطالبةً بتحرك دولي عاجل لوقف الانتهاكات، والتحقيق في الأضرار ومصادر التلوث، ومساءلة المسؤولين عنها، وضمان إعادة تأهيل الموارد الطبيعية وجبر الأضرار.
ووجّهت الهيئة مذكرتها إلى الأمين العام للأمم المتحدة، والمبعوث الخاص للأمين العام لعملية السلام في الشرق الأوسط، ورئيس مجلس حقوق الإنسان، ومفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، والمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، والمقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيز، والمدير العام لمنظمة الصحة العالمية، والمديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وأكدت «حشد» أن إحياء هذه المناسبة، التي تصادف السادس من نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 56/4 لعام 2001، يأتي في ظل كارثة بيئية ممتدة يشهدها قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية واسعة النطاق، وتدمير المنظومات البيئية والموارد الطبيعية والبنية التحتية الحيوية، وما خلّفته العمليات القتالية من مخلفات وملوثات ذات آثار صحية وبيئية طويلة الأمد.
وأوضحت الهيئة أن آثار الحرب لم تقتصر على القتل والدمار العمراني والنزوح، بل طالت الأرض والمياه والهواء والتربة الزراعية والبيئة البحرية والتنوع البيولوجي، بما يهدد مقومات الحياة الأساسية للسكان، ويضع مسار التعافي وإعادة الإعمار أمام تحديات قد تستمر لعقود.
وبيّنت «حشد»، استناداً إلى التقييم الثاني لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة الصادر في سبتمبر/أيلول 2025، أن نحو 78% من المباني في قطاع غزة تضررت أو دُمرت، ما نتج عنه أكثر من 61 مليون طن من الركام. كما تضررت نحو 97% من الأشجار المثمرة، و95% من الأراضي المغطاة بالشجيرات، و82% من المحاصيل السنوية، في مؤشرات تعكس اتساع نطاق التدهور البيئي والزراعي.
وأشارت إلى أن التقييم المشترك للأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي، الصادر في أبريل/نيسان 2026، قدّر حجم الركام بأكثر من 68 مليون طن، وتكلفة إزالته وإدارته بأكثر من 1.7 مليار دولار، فيما بلغت الاحتياجات المقدرة للتعافي وإعادة التأهيل البيئي نحو 2.65 مليار دولار. وأكدت أن هذه الأرقام تعني أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تقتصر على المباني، بل تتطلب معالجة التلوث ومخلفات الحرب واستعادة الأراضي الزراعية ومصادر المياه والنظم البيئية المتضررة.
وحذرت الهيئة من أن تراكم الركام يمثل أحد أخطر التحديات البيئية والصحية، خاصة مع اختلاط الأنقاض بمواد البناء والمخلفات الصناعية والطبية والوقود ومياه الصرف الصحي والذخائر غير المنفجرة. ونقلت عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة تحذيره من احتمال تعرض نحو 15% من الركام لمستويات مرتفعة نسبياً من التلوث بالأسبستوس والمخلفات الصناعية والمعادن الثقيلة، بما يستدعي إجراءات متخصصة للفحص والفرز والمعالجة.
وشددت «حشد» على أن إزالة الأنقاض دون فحص وتصنيف مسبقين قد تعرّض السكان والعاملين لمخاطر إضافية، في ظل انتشار الغبار والجسيمات المحمولة جواً، واحتمال وجود آلاف القنابل والذخائر المدفونة أو غير المنفجرة تحت الأنقاض وفي المناطق السكنية والزراعية.
وتناولت المذكرة التقارير المتعلقة باستخدام ذخائر الفوسفور الأبيض في مناطق من قطاع غزة، مشيرةً إلى أن تقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 أورد تقارير عن استخدامها خلال الفترة من نوفمبر/تشرين الثاني 2023 إلى فبراير/شباط 2024 في مدينة غزة ومخيم الشاطئ وجباليا وبيت لاهيا وخان يونس ومناطق في المحافظة الوسطى، كما وثّق إصابة طفل صغير بالفوسفور الأبيض في مدرسة بمخيم البريج يوم 25 ديسمبر/كانون الأول 2023.
وأكدت الهيئة أن المخاطر لا تقتصر على الإصابات المباشرة، بل تشمل احتمال تسرب بقايا الفوسفور الأبيض إلى المياه والرواسب، إلى جانب مخاطر تلوث التربة والمياه بمخلفات المتفجرات والمعادن الثقيلة والمواد الكيميائية المرتبطة بالذخائر. وطالبت بإجراء فحوصات مخبرية مستقلة وشاملة للتربة والمياه والرواسب، لتحديد طبيعة الملوثات ومستويات انتشارها وآثارها الصحية والبيئية.
كما حذرت «حشد» من التدهور الخطير في جودة الهواء نتيجة الانفجارات والحرائق والغبار الناجم عن انهيار المباني، إلى جانب حرق النفايات والمواد البلاستيكية واستخدام مصادر احتراق أقل نظافة بسبب نقص الوقود وغاز الطهي. وأوضحت أن هذه الممارسات تزيد التعرض للجسيمات العالقة والمواد الضارة بالجهاز التنفسي، خصوصاً في مواقع النزوح المكتظة، في ظل غياب منظومة كافية للرصد المستمر لجودة الهواء.
وفيما يتعلق بالأراضي الزراعية، أشارت الهيئة إلى تقييم منظمة الأغذية والزراعة ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية، الصادر بتاريخ 18 أغسطس/آب 2026، والذي أظهر أنه لم يتبقَّ سوى 448 هكتاراً، أي نحو 3% من إجمالي الأراضي الزراعية في قطاع غزة، متاحة وغير متضررة في الوقت نفسه، وفق البيانات التي تغطي الفترة حتى 24 يونيو/حزيران 2026.
وأوضحت أن تدمير الأشجار والمحاصيل وتجريف الأراضي وفقدان الغطاء النباتي وانضغاط التربة بفعل الأنشطة العسكرية يؤثر في خصوبتها وقدرتها على امتصاص المياه، ويزيد مخاطر الجريان السطحي والفيضانات، ويعرقل تغذية المياه الجوفية واستعادة الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي.
ولفتت «حشد» إلى أن تراجع المساحات الزراعية المتاحة لا يرتبط بالأضرار المادية وحدها، بل أيضاً بالقيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي، مؤكدة أن حرمان المزارعين من مواردهم الطبيعية وتعطيل إصلاح الآبار والمنشآت وإدخال مستلزمات الإنتاج يطيل أمد التدهور البيئي ويقوض سبل العيش.
وتطرقت المذكرة إلى انهيار منظومة المياه والصرف الصحي، موضحةً أن تقييم برنامج الأمم المتحدة للبيئة لعام 2025 أشار إلى انخفاض قدرة منشآت تخزين المياه والضخ بنسبة 84%، وبقاء تسع منشآت فقط من أصل 54 قادرة على العمل، منها ثلاث منشآت غير متضررة. كما تراجعت القدرة المتبقية لإمدادات المياه المحلاة إلى نحو 31% من مستواها في أكتوبر/تشرين الأول 2023، فيما لم تكن أي من منشآت معالجة مياه الصرف الصحي تعمل وقت التقييم.
وأكدت الهيئة أن تدمير الشبكات، وتزايد الاعتماد على الحفر الامتصاصية، وتصريف المياه العادمة غير المعالجة، يهدد الخزان الجوفي الساحلي والتربة والبيئة البحرية والثروة السمكية، ويؤثر في الصحة العامة ومصادر الغذاء وسبل عيش الصيادين. وحذرت من أن استمرار القيود على إدخال معدات الإصلاح والتشغيل يعرقل استعادة هذه الخدمات ويطيل أمد التلوث.
كما تناولت «حشد» تفاقم أزمة النفايات الصلبة والطبية، مشيرةً إلى أن التقييم الأولي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة لعام 2024 أظهر تضرر خمس منشآت من أصل ست لإدارة النفايات الصلبة، وتراكم نحو 1,200 طن من النفايات يومياً حول المخيمات ومراكز الإيواء بحلول نوفمبر/تشرين الثاني 2023.
وأوضحت أن تعطل جمع النفايات ونقلها ومعالجتها، ونقص الوقود والمعدات، أسهما في انتشار المكبات العشوائية واختلاط النفايات المنزلية بالمخلفات الطبية والصناعية، وزيادة الحرق المكشوف، بما يرفع مخاطر التلوث وانتشار الأمراض. وطالبت بتدخل عاجل لإعادة تشغيل منظومة إدارة النفايات، وفصل المواد الطبية والخطرة، والتخلص منها وفق المعايير البيئية والصحية.
وحذرت الهيئة كذلك من تدهور الموائل الطبيعية والأراضي الرطبة والبيئة الساحلية، بما فيها المناطق الحساسة في وادي غزة، مؤكدة أن فقدان الغطاء النباتي وتلوث المياه وتراكم المخلفات يهدد التنوع البيولوجي، ويضعف قدرة النظم البيئية على التجدد وتنظيم دورة المياه وتثبيت التربة وتحسين جودة الهواء.
وأكدت «حشد» أن حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة التزام قانوني، وليست مسألة ثانوية أو مجرد اعتبار أخلاقي، مشيرةً إلى قواعد التمييز والتناسب والاحتياط، وحظر استهداف الأعيان المدنية والتدمير غير المشروع للممتلكات. كما استعرضت أحكام المادتين 35/3 و55 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 المتعلقة بحماية البيئة الطبيعية من الأضرار واسعة الانتشار وطويلة الأمد والشديدة.
وأشارت إلى التزامات القوة القائمة بالاحتلال بموجب المادة 55 من لائحة لاهاي لعام 1907 بالمحافظة على الممتلكات العامة والغابات والأراضي الزراعية وعدم استنزافها، وإلى المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر تدمير الممتلكات إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتماً ذلك.
كما لفتت إلى المادة 8/2/ب/4 من نظام روما الأساسي، التي تجرّم، وفق شروطها، تعمد شن هجوم مع العلم بأنه سيسبب أضراراً واسعة الانتشار وطويلة الأمد وشديدة بالبيئة الطبيعية، تكون مفرطة بوضوح مقارنة بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة، مطالبةً بالتحقيق في الانتهاكات وتحديد المسؤوليات الفردية والدولية عنها.
وشددت الهيئة على أن جبر الأضرار البيئية يجب أن يشمل إعادة تأهيل الأراضي الزراعية والمياه والتربة والموائل الطبيعية، وإزالة المواد الخطرة ومخلفات الحرب، والتعويض عن الخسائر البيئية والصحية والاقتصادية، وضمان عدم تكرار الأفعال غير المشروعة.
وأكدت أن التلوث البيئي يرتبط مباشرة بحقوق السكان في الحياة والصحة والمياه والغذاء والسكن والعيش في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة، وأن النساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والمجتمعات المعتمدة على الموارد الطبيعية يتحملون جانباً كبيراً من آثاره، في ظل النزوح وتراجع الخدمات الأساسية.
وطالبت «حشد» الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والهيئات القضائية والحقوقية المختصة بالتحرك الفوري لوقف الانتهاكات البيئية، وفتح تحقيقات مستقلة، وتوثيق الأضرار ومصادر التلوث، وضمان الوصول إلى الأراضي والموارد الطبيعية وإدخال المعدات والمواد اللازمة للإصلاح والمعالجة، ومساءلة المسؤولين وجبر الأضرار.
واختتمت الهيئة مذكرتها بالتأكيد على ضرورة إدراج العدالة البيئية مكوناً أساسياً في التعافي وإعادة إعمار قطاع غزة، مشددةً على أن العدالة لا تكتمل بإعادة بناء المباني وحدها، بل تستوجب استعادة الأرض والمياه والهواء والموارد الطبيعية وضمان حق الفلسطينيين في بيئة آمنة وصحية وكريمة. وأكدت أن انتهاء العمليات العسكرية لا يعني انتهاء آثار الحرب البيئية، وأن ترك هذه الأضرار دون معالجة ومساءلة يهدد بامتدادها إلى أجيال متعاقبة.



