
حشد تنظم لقاءً حواريًا حول الدبلوماسية متعددة المسارات ودور سحب الاستثمارات البلدية الأمريكية من سندات إسرائيل في مواجهة الاحتلال
30 أكتوبر/تشرين الأول 2026
خبر صحافي
حشد تنظم لقاءً حواريًا حول الدبلوماسية متعددة المسارات ودور سحب الاستثمارات البلدية الأمريكية من سندات إسرائيل في مواجهة الاحتلال
نظمت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني «حشد»، يوم الخميس 29 أكتوبر/تشرين الأول 2026، لقاءً حواريًا دوليًا تناول سبل توظيف الدبلوماسية متعددة المسارات والآليات القانونية والمالية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، مع تركيز خاص على استثمارات الحكومات المحلية والبلديات الأمريكية في سندات إسرائيل. واستضاف اللقاء المحامية ساني أوسمنت، محامية القضايا في مركز القانون الدولي بالولايات المتحدة، فيما يسّرت الحوار صبا عاشور وسلمى محمد. واستمر اللقاء ساعتين.
وجاء اللقاء لبحث إمكانات تطوير العمل الحقوقي والمدني في ظل العقبات التي تواجه مسارات المساءلة الدولية والدعاوى القضائية المرتبطة بالسياسات الأمريكية تجاه غزة. وانطلق النقاش من أهمية عدم الاكتفاء بإدانة الانتهاكات أو التعويل على مسار قانوني واحد، بل الجمع بين التوثيق الميداني، والمرافعة القضائية، والتحرك الشعبي، وفحص القرارات المالية للمؤسسات العامة التي تستثمر أموال دافعي الضرائب في سندات تصدرها إسرائيل.
وعرضت أوسمنت خلال اللقاء مقاربة تدعو إلى نقل جانب من الجهد القانوني والشعبي نحو نقاط التأثير الاقتصادي القابلة للفحص والمساءلة. وأوضحت أن قرارات الاستثمار الصادرة عن المقاطعات والبلديات الأمريكية تفتح مجالًا للنقاش القانوني حول إدارة المال العام، ومستوى العائد، والسيولة، وحماية أموال دافعي الضرائب، إلى جانب النقاش السياسي والحقوقي المتعلق بآثار تلك الاستثمارات.
استعرض اللقاء ثلاثة مسارات متكاملة للعمل. ويتمثل المسار الأول في الدبلوماسية الرسمية التي تقودها الدول والدبلوماسيون داخل المؤسسات الدولية، وتشمل المعاهدات والقمم وقرارات مجلس الأمن والعقوبات. أما المسار الثاني فيقوده الخبراء والأكاديميون والمنظمات غير الحكومية عبر الحوار غير الرسمي، وصياغة السياسات، وتطوير تصورات لتسوية النزاعات. ويعتمد المسار الثالث على المجتمع المدني والنشطاء الشباب والمجتمعات المحلية والشبكات القانونية من خلال الحملات الشعبية، والتقاضي، والعمل الاقتصادي المباشر، والمطالبة بمراجعة الاستثمارات العامة.
وبيّن النقاش أن هذه المسارات لا يلغي أحدها الآخر؛ فالدبلوماسية الرسمية تظل ساحة مهمة للمطالبة بحماية الحقوق، فيما يتيح عمل الخبراء والمؤسسات الحقوقية تطوير الحجج والملفات، ويمنح التحرك الشعبي المجتمعات المحلية وسيلة للتأثير في قرارات تمس المال العام. وركزت الجلسة بصورة خاصة على ما يمكن أن يحققه المسار الشعبي عندما تُترجم المطالب العامة إلى إجراءات محددة أمام المجالس المحلية والهيئات المسؤولة عن الاستثمار.
وتناولت أوسمنت القيود التي تواجه الاعتماد الحصري على القانون الدولي لحقوق الإنسان والتقاضي أمام المحاكم الأمريكية. وأشارت إلى أثر استخدام الولايات المتحدة حق النقض في مجلس الأمن في تعطيل بعض مسارات الإنفاذ الدولي، وإلى أن صدور إجراءات أو قرارات عن محكمة العدل الدولية لا يزيل، بذاته، الصعوبات المرتبطة بإنفاذها في غياب الدعم السياسي والآليات الفعالة.
كما ناقشت العقبات التي تصادف الدعاوى الرامية إلى الطعن في المساعدات العسكرية الأمريكية أو نقل الأسلحة. واستحضرت قضية الحركة الدولية للدفاع عن الأطفال – فلسطين ضد بايدن مثالًا على الجدل بشأن قدرة المحاكم الاتحادية على مراجعة قرارات تتصل بالسياسة الخارجية والسلطة التنفيذية، بما في ذلك الدفوع المرتبطة بـ«عقيدة المسألة السياسية» والحصانة السيادية. وأوضحت، وفق تقرير اللقاء، أن إدراك جسامة الوقائع المطروحة في الدعوى لا يعني بالضرورة أن المحكمة ستعد نفسها مختصة بإصدار الحكم أو التدبير الذي يطلبه المدعون.
وشدد النقاش على أن هذه العوائق لا تعني التخلي عن التقاضي أو التوثيق، وإنما تستدعي توسيع الأدوات المستخدمة. فمن الممكن متابعة المسارات الدولية والوطنية، وفي الوقت نفسه البحث عن قرارات مالية وإدارية تخضع لمعايير قانونية مختلفة، ويمكن مساءلة الجهات المسؤولة عنها محليًا.
وفي هذا الإطار، قدمت أوسمنت تصورًا للتحرك بشأن الاستثمارات البلدية في سندات إسرائيل، المعروفة باسم Israel Bonds. وناقشت الجلسة طبيعة هذه السندات بوصفها أداة دين تصدرها إسرائيل، ومدى قابليتها للتداول قبل حلول موعد استحقاقها، والعائد الذي تقدمه مقارنة ببدائل أخرى متاحة للمؤسسات العامة.
وتمحورت الحجة التي عرضتها حول واجب القائمين على خزائن المقاطعات والبلديات في إدارة أموال دافعي الضرائب وفق معايير مالية وقانونية، من بينها حفظ رأس المال، والسيولة، والعائد المناسب. وبحسب العرض المقدم خلال اللقاء، فإن التساؤل لا يتعلق فقط بموقف المؤسسة من سياسات إسرائيل، بل أيضًا بما إذا كان القرار الاستثماري نفسه يراعي متطلبات الإدارة الرشيدة للأموال العامة.
وقارنت أوسمنت بين الاستثمار في سندات إسرائيل وبين أدوات أخرى، مثل سندات الخزينة الأمريكية وشهادات الإيداع وصناديق السوق النقدي. وركزت المقارنة على قدرة الجهة المستثمرة على التصرف بأموالها قبل تاريخ الاستحقاق، وعلى مستوى العائد والمخاطر المرتبطة بكل أداة. وطرحت هذه المقارنة أساسًا للمطالبة بإتاحة بيانات الاستثمار وفحصها، بدل الاكتفاء باعتراضات سياسية عامة لا تتناول تفاصيل القرار المالي.
واستعانت المتحدثة بتجربة جنوب أفريقيا إبان نظام الفصل العنصري لتوضيح أهمية الضغط الاقتصادي إلى جانب المواقف السياسية والأخلاقية. وأشارت إلى دور المؤسسات المالية وقرارات الإقراض في ممارسة الضغط على النظام آنذاك، مستخلصةً من ذلك أن تقييم المخاطر المالية وسلوك المستثمرين قد يتحولان إلى عامل مؤثر عندما يرتبطان بتحرك منظم ومستمر.
واستعرض اللقاء حالة مقاطعة بالم بيتش بولاية فلوريدا نموذجًا للتحرك المحلي بشأن استثمارات الأموال العامة في سندات إسرائيل. ووفق ما ورد في تقرير الجلسة، استندت التحركات الشعبية والقانونية إلى مراجعة واجبات القائمين على الاستثمار، وإثارة أسئلة بشأن العائد والسيولة ومدى ملاءمة هذه السندات لسياسات إدارة المال العام.
وذكرت أوسمنت أن الضغط الذي مارسه دافعو الضرائب والتحرك القانوني المرتبط بواجب الأمانة المالية أسهما في خفض الحد الأقصى المسموح به للاستثمار في سندات إسرائيل من 25% إلى 15%. كما أورد التقرير أن التغيير ارتبط بسحب أكثر من 250 مليون دولار من الأموال العامة. وقد طُرحت هذه الأرقام خلال اللقاء بوصفها جزءًا من دراسة الحالة التي قدمتها المتحدثة.
وركزت الجلسة على الدلالة العملية لهذه الحالة: يمكن أن يبدأ التحرك من طلب الاطلاع على بيانات استثمار الأموال العامة، ثم مقارنتها بالمعايير التي تُلزم الجهة المسؤولة بإدارة تلك الأموال، وصولًا إلى مساءلة القرار أمام المجالس المحلية أو عبر المسارات القانونية المتاحة. وبهذا تصبح الشفافية المالية، والتدقيق في المحافظ الاستثمارية، ومشاركة دافعي الضرائب أدوات للعمل المدني، لا موضوعات منفصلة عن النقاش الحقوقي.
وفي ما يتعلق بدور المؤسسات الفلسطينية، ناقش اللقاء ضرورة ربط توثيق آثار التدمير والانتهاكات في غزة بالعمل الذي تنفذه الفرق القانونية والبحثية خارج فلسطين. وأكدت التوصيات أهمية جمع البيانات الميدانية وتنظيمها وإتاحتها للباحثين المختصين، بما يساعدهم على بناء ملفات أكثر دقة وفحص الصلات التي يثيرونها بين الوقائع الميدانية والقرارات الاستثمارية أو الجهات ذات الصلة بها.
كما تناولت التوصيات بناء تحالفات مع دافعي الضرائب المحليين في الولايات المتحدة، وأعضاء النقابات، والمؤسسات الحقوقية والقانونية. ويمكن لهذه الأطراف، وفق المقترح المطروح، مراجعة المحافظ الاستثمارية للولايات والمقاطعات والبلديات، وتحديد الجهات التي تملك استثمارات كبيرة في سندات إسرائيل، والمطالبة ببيانات عامة توضح أحجام تلك الاستثمارات وعوائدها ومخاطر السيولة المرتبطة بها.
وشدد اللقاء كذلك على أهمية أن يكون الخطاب الموجه إلى الجمهور المحلي واضحًا ومحددًا؛ فلا يقتصر على المطالبة بسحب الاستثمارات، بل يشرح كيف تتخذ الجهات العامة قرارات بشأن أموال الضرائب، وما البدائل الاستثمارية المتاحة، وكيف يمكن تقييم أثر تلك القرارات على أولويات الخدمات المحلية. واعتُبر توضيح هذه الصلة وسيلة لتوسيع النقاش العام وإشراك أشخاص قد تختلف مواقفهم السياسية، لكنهم يتفقون على ضرورة مساءلة المؤسسات عن إدارة المال العام.
وفي مداخلة خلال اللقاء، أكد الدكتور صلاح أهمية التمييز بين المقاطعة الفردية للمستهلكين وسحب الاستثمارات المؤسسية. وأوضح أن المقاطعة الفردية تؤدي دورًا في رفع الوعي وتحفيز المشاركة المجتمعية، بينما تستهدف حملات سحب الاستثمارات المؤسسية قرارات تخص مبالغ كبيرة وتدفقات مالية مباشرة. وجرى تناول المسارين بوصفهما أداتين مختلفتين من حيث النطاق وآليات التأثير، لا بوصف أحدهما بديلًا تلقائيًا عن الآخر.
واختُتم اللقاء بالتأكيد على أهمية استمرار التنسيق بين الجهات التي توثق الوقائع في غزة، والخبراء القانونيين، والحملات المحلية المعنية بالاستثمارات العامة. وخلص النقاش إلى أن تطوير أدوات المساءلة يتطلب عملًا تراكميًا: توثيقًا دقيقًا، وحججًا قانونية قابلة للفحص، واطلاعًا على بيانات الاستثمار، وتحركًا مدنيًا منظمًا قادرًا على متابعة القرارات ومساءلة المسؤولين عنها.









