أوراق موقفاخبار صحفية

الهيئة الدولية “حشد” تصدر ورقة موقف بعنوان “العدالة الدولية في فلسطين بين الانكشاف والإخفاق وإعادة التشكيل”

التاريخ: 12 مايو 2026

خبر صحافي

الهيئة الدولية “حشد” تصدر ورقة موقف بعنوان: “العدالة الدولية في فلسطين: بين الانكشاف والإخفاق وإعادة التشكيل”

أصدرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني “حشد” ورقة موقف بقلم الدكتور صلاح عبد العاطي، رئيس الهيئة، بعنوان: “العدالة الدولية في فلسطين: بين الانكشاف والإخفاق وإعادة التشكيل من وهم الحماية إلى اختبار البقاء الإنساني والقانوني”، تناولت فيها التحول الذي شهدته القضية الفلسطينية، وقطاع غزة على وجه الخصوص، من ملف سياسي وحقوقي إلى لحظة اختبار تاريخية لمنظومة العدالة الدولية، ولمدى قدرة القانون الدولي ومؤسساته على حماية الإنسان عندما يصبح خارج خرائط النفوذ الدولي.

وأكدت الورقة أن ما جرى ويجري في قطاع غزة من قتل واسع النطاق وتدمير وتجويع وتهجير وانكشاف كامل للحياة المدنية، لم يعد يطرح سؤالًا سياسيًا فحسب، بل يفتح سؤالًا أعمق يتعلق بمصير العدالة الدولية نفسها، ومدى قدرة القانون الدولي على الانتقال من مستوى النصوص والمبادئ إلى مستوى الحماية الفعلية والإنفاذ الملزم. وأوضحت أن المعضلة لم تعد في غياب القواعد القانونية، بل في العجز عن تحويلها إلى قوة ردع وحماية، بما يجعل فلسطين، وغزة خصوصًا، مرآة كاشفة للفجوة بين القانون بوصفه مبدأ والقانون بوصفه قدرة على الفعل.

ورأت الورقة أن منظومة العدالة الدولية الحديثة، التي تقوم على ركيزتي المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، بدت في الحالة الفلسطينية شديدة الهشاشة من حيث القدرة التنفيذية، رغم كثافة حضورها المعياري والقانوني. فكلما ازدادت الجريمة وضوحًا، ازداد النظام الدولي عجزًا عن وقفها، بما يكشف أن العدالة الدولية لا تتعطل بسبب نقص التعريف القانوني للجرائم، بل بسبب غياب الإرادة السياسية الدولية لتحويل التوصيف إلى التزام فعلي ملزم.

وفي هذا السياق، تناولت الورقة أداء المحكمة الجنائية الدولية، معتبرة أنها تمثل من الناحية النظرية ذروة تطور العدالة الجنائية الدولية، لكنها عمليًا تظل مقيدة بحدود البيئة السياسية الدولية، وبمدى تعاون الدول في تنفيذ قراراتها ومذكرات التوقيف. وأشارت إلى أن مسار العدالة في الحالة الفلسطينية لم تحدده النصوص القانونية وحدها، بل خضع أيضًا لحسابات الدول الكبرى وموازين النفوذ، ما جعل المحكمة تعلن بعض العدالة دون أن تتمكن من فرضها أو استكمالها بالفعل التنفيذي، حتى بعد إصدار مذكرات توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت.

كما ناقشت الورقة دور محكمة العدل الدولية، مشيرة إلى أن قراراتها وتدابيرها الاحترازية في السياق الفلسطيني اكتسبت أهمية قانونية وأخلاقية كبيرة، ولا سيما في ضوء الأوامر الصادرة في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بشأن اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية. غير أن الإشكالية الجوهرية، بحسب الورقة، تكمن في غياب أدوات التنفيذ والإلزام المباشر، بما يجعل القانون قادرًا على إنتاج المعيار، لكنه عاجزًا عن فرضه حين يصطدم بإرادة القوة الدولية، فيتحول إلى صوت قانوني وأخلاقي مرتفع من دون قدرة فعلية على إيقاف النزيف.

وسلطت الورقة الضوء على غزة بوصفها لحظة الانكشاف النهائي للقانون الدولي الإنساني، حيث لا يتعلق الأمر بانتهاكات متفرقة، بل باستهداف شامل لشروط الحياة الإنسانية ذاتها، من خلال استهداف المدنيين، والأطفال، والنساء، والطواقم الطبية، والصحفيين، والعاملين في المجال الإنساني، وتدمير البنية التحتية المدنية، وتقويض المنظومة الصحية، واستهداف شبكات المياه والغذاء والطاقة، واستخدام الحصار والتجويع والتهجير القسري كأدوات ضغط وإخضاع. وأكدت أن المفارقة الأكثر قسوة لا تكمن فقط في حجم هذه الانتهاكات، بل في استمرارها رغم وضوحها القانوني والإنساني، بما أفقد القانون وظيفته الأساسية كأداة حماية، وحوّله في كثير من الأحيان إلى أداة توثيق لاحق للكارثة.

وفي قراءتها للنظام الدولي الأوسع، اعتبرت الورقة أن الأزمة لم تعد مجرد عجز عابر، بل تعكس خللًا بنيويًا في الأمم المتحدة والنظام الدولي المؤسسي، خاصة مع تحوّل مجلس الأمن، بفعل الفيتو الأمريكي، إلى مساحة تعطيل سياسي ممنهج، بما أفرغ النظام الأمني الدولي من فعاليته. كما أشارت إلى أن الاتحاد الأوروبي بقي في مساحة رمادية بين خطاب حقوقي متقدم وممارسة سياسية محدودة، من دون قدرة حقيقية على تحويل مواقفه إلى أدوات ضغط فعالة.

وتوقفت الورقة عند الطروحات التي برزت لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، ومن بينها ما يُعرف بـ”مجلس سلام غزة”، معتبرة أن هذه المقترحات لا تقدم حلًا سياسيًا حقيقيًا، بقدر ما تعيد تنظيم الأزمة وإدارتها، وتحوّل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وحقوق وتقرير مصير إلى ملف إداري وتقني يركز على الإغاثة وإعادة الإعمار وإدارة السكان والترتيبات الأمنية، من دون معالجة جذور الصراع المتمثلة في الاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني. ورأت أن مثل هذه الصيغ تفتح الباب أمام إعادة هندسة النظام الدولي وآليات إدارة الأزمة خارج إطار الأمم المتحدة، من دون ضمان الحماية أو وقف الحرب أو معالجة الأسباب البنيوية للكارثة.

كما تناولت الورقة اتجاهاً متصاعدًا نحو تجريم التضامن مع فلسطين في عدد من الدول الغربية، عبر التضييق على الحركات الطلابية، واستهداف النشاط الحقوقي والمدني، وتقييد حرية التعبير، وإعادة توصيف التضامن باعتباره تهديدًا أمنيًا أو أيديولوجيًا. واعتبرت أن هذا التحول لا يمس فلسطين وحدها، بل يضرب أحد أهم أسس النظام الحقوقي العالمي، أي الحق في التعبير والعمل المدني والتضامن الإنساني، ويؤكد أن الصراع لم يعد يُدار فقط على الأرض، بل أيضًا على الوعي والرواية والفضاء العام العالمي.

وأكدت الورقة أن الحالة الفلسطينية كشفت أيضًا نمطًا صارخًا من ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي، حيث تختلف سرعة التفاعل الدولي، وحجم الضغط السياسي، وطبيعة العقوبات، تبعًا لموقع الفاعل داخل النظام الدولي، لا لطبيعة الجريمة ذاتها. وخلصت إلى أن العدالة حين تصبح انتقائية تفقد معناها الكوني، وتتحول من مبدأ قانوني عالمي إلى أداة تعاد صياغتها وفق خرائط القوة والنفوذ.

وفي ضوء هذا الانكشاف البنيوي، دعت الورقة إلى التفكير في مسارات بديلة لإعادة تشكيل أدوات الضغط والعدالة من خارج البنية الرسمية التقليدية، من بينها تفعيل الولاية القضائية العالمية، وبناء تحالفات قانونية عابرة للحدود، وتوسيع الحراك الشعبي العالمي، وتفعيل أدوات المقاطعة والعقوبات، وتطوير فضاءات رقمية وحقوقية عابرة للدول لحماية الرواية الفلسطينية، وبناء “عصبة مدنية عالمية” قادرة على إعادة تعريف العدالة من أسفل إلى أعلى.

وفي ختامها، شددت الورقة على أن ما يجري في غزة لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يهدد فكرة الإنسانية المشتركة ذاتها، ويكشف حدود القانون الدولي وحدود الضمير العالمي في آن واحد. وأكدت أن فلسطين، وغزة تحديدًا، لم تعد فقط ساحة لمأساة إنسانية، بل أصبحت سؤالًا تاريخيًا مفتوحًا حول ما إذا كان ما يزال ممكنًا استعادة العدالة الدولية كمنظومة كونية متساوية التطبيق، أم أن العالم يتجه نحو نظام قانوني متعدد السرعات، تُعاد فيه صياغة العدالة وفق خرائط القوة والنفوذ.

لقراءة الورقة بالكامل اضغط هنا 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى