
السلم الأهلي لم يعد قضية اجتماعية هامشية أو ملفاً أمنياً يقتصر على ضبط السلاح ومنع الجريمة والاقتتال العائلي، كما لا يمكن اختزاله في اتفاق مصالحة بين القوى السياسية. وانما في قدرة المجتمع على إدارة اختلافاته سلمياً، وحماية أفراده من العنف والتعسف، وضمان وصولهم إلى العدالة
التاريخ: 5 أكتوبر 2026
خبر صحافي
أصدرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني «حشد» ورقة موقف بعنوان «حماية السلم الأهلي في فلسطين: العدالة والشرعية وإعادة بناء المجتمع والنظام السياسي الفلسطيني»، أعدّها الدكتور صلاح عبد العاطي، المحامي والباحث ومدير الهيئة، وتقدم رؤية لمعالجة التحديات التي تهدد التماسك المجتمعي، من خلال الربط بين سيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات، وإنصاف الضحايا، وإصلاح المؤسسات، وتجديد الشرعية السياسية.
وأكد الدكتور صلاح عبد العاطي، من خلال الورقة، أن السلم الأهلي لم يعد قضية اجتماعية هامشية أو ملفاً أمنياً يقتصر على ضبط السلاح ومنع الجريمة والاقتتال العائلي، كما لا يمكن اختزاله في اتفاق مصالحة بين القوى السياسية. وأوضح أن جوهره يتمثل في قدرة المجتمع على إدارة اختلافاته سلمياً، وحماية أفراده من العنف والتعسف، وضمان وصولهم إلى العدالة، ومنع تحول القوة أو النفوذ العائلي والحزبي إلى بديل عن المؤسسات العامة.
وشدد عبد العاطي على أن أزمة السلم الأهلي الفلسطيني هي، في جوهرها، أزمة شرعية وثقة ومؤسسات وقدرة على إدارة الاختلاف؛ ولذلك فإن معالجتها تتطلب مشروعاً وطنياً يتجاوز الاستجابة الأمنية إلى إعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسة، وترسيخ المواطنة المتساوية، وضمان أن تكون الحقوق محمية بالقانون لا بالانتماء السياسي أو العائلي.
تشخيص مصادر الهشاشة
وفي إطار تشخيص الواقع الفلسطيني، يرى الدكتور صلاح عبد العاطي أن الحرب والاحتلال والتهجير والاستيطان والدمار لم تستهدف حياة الفلسطينيين وأمنهم وممتلكاتهم فحسب، بل أصابت أيضاً البنية التي ينتظم من خلالها المجتمع، والثقة التي تربط المواطنين بالمؤسسات، والعلاقات التي تجمع الأفراد والجماعات.
وأوضح، من خلال الورقة، أن الحرب في قطاع غزة جاءت فوق سنوات طويلة من الحصار والانقسام والفقر وتآكل المؤسسات، لتضاعف الجراح الاجتماعية والقانونية، فيما يسهم الاستيطان والتهجير والعنف وقيود الحركة في الضفة الغربية في تقويض الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وتعميق هشاشة البيئة السياسية.
وحدد عبد العاطي أربعة مصادر متداخلة لهذه الهشاشة: الاحتلال وما يرتبط به من عدوان وحصار واستيطان وتهجير؛ والانقسام السياسي والمؤسسي؛ وإرث الانتهاكات الداخلية؛ والدمار الذي ألحقته الحرب بالبنية الاجتماعية والقانونية والخدمية. وأكد أن هذه العوامل لا تعمل بصورة منفصلة، بل يعزز بعضها آثار بعض، بما يستلزم معالجة متكاملة لا تتجاهل أياً منها.
وفي إطار تحليل تداعيات الانقسام، يرى الدكتور صلاح أن آثاره تجاوزت الخلاف بين القوى السياسية، لتصبح واقعاً مؤسسياً واجتماعياً يمس الوظيفة العامة، ومنظومة العدالة، والحريات، وشبكات المصالح والولاءات. وأشار إلى أن إعادة توحيد المؤسسات إدارياً لا تكفي إذا لم تترافق مع استعادة الثقة بها، وتوحيد الحماية القانونية ومعايير الوظيفة العامة، وإنهاء الازدواجية القانونية والأمنية.
وأكد أن الوحدة الوطنية لا تعني مجرد جمع الهياكل والأجهزة تحت إدارة واحدة، بل إعادة بناء العقد السياسي والاجتماعي على أساس المساواة والمشاركة وحماية الحقوق، بما يتيح للمواطن الشعور بأن المؤسسة الوطنية تحميه بصرف النظر عن انتمائه.
وفي هذا السياق، شدد عبد العاطي على أن الاعتراف بالانتهاكات الداخلية لا يعني مساواتها بجرائم الاحتلال أو التخفيف من مسؤوليته، وإنما يؤكد أن الضحية الفلسطينية تستحق العدالة أياً كان مصدر الانتهاك. كما حذر من استخدام الوحدة الوطنية ذريعة للصمت عن المظالم، أو توظيف المساءلة عن الانتهاكات الداخلية أداة لتعميق الانقسام.
العدالة وتجديد الشرعية
وأكد الدكتور صلاح عبد العاطي، من خلال الورقة، أن العدالة ليست نقيضاً للسلم الأهلي، بل شرطاً لاستدامته، وأن المصالحة لا ينبغي أن تكون بديلاً عن إنصاف الضحايا أو غطاءً للإفلات من المسؤولية. وأوضح أن توقف المواجهات لا يعني بالضرورة تحقق السلم الأهلي، إذا بقي الاعتقال السياسي والتعذيب والإقصاء والتمييز قائماً، أو ظلت المظالم من دون معالجة.
وفي إطار العلاقة بين الديمقراطية والسلم الأهلي، يرى الدكتور صلاح أن المشاركة السياسية تتيح إدارة المصالح والخلافات عبر البرامج والسياسات والوسائل السلمية، بينما قد يؤدي إغلاق قنوات المشاركة إلى انتقال الصراع من المؤسسات إلى الشارع، ومن التنافس السياسي إلى العنف. وأكد أن المطلوب ليس مجتمعاً بلا اختلاف، بل مجتمعاً يستطيع ممارسة المعارضة دون خوف، وتسوية النزاعات دون ثأر، والوصول إلى الحقوق دون اللجوء إلى السلاح.
وتناولت الورقة أربعة أبعاد للشرعية: شرعية التمثيل المرتبطة بالتعبير عن الإرادة الشعبية؛ والشرعية القانونية القائمة على الالتزام بالقانون والرقابة والمساءلة؛ والشرعية الأدائية المتعلقة بقدرة المؤسسات على توفير الحماية والخدمات والعدالة؛ والشرعية الحقوقية والأخلاقية التي تقوم على احترام الكرامة والحريات والمساواة.
وأوضح عبد العاطي أن امتلاك المؤسسة سنداً تاريخياً أو قانونياً لا يعفيها من مسؤولية حماية المواطنين واحترام حقوقهم، كما أن الانتخابات وحدها لا تنتج شرعية مستدامة إذا غابت الحريات وتكافؤ الفرص واستقلال القضاء واحترام النتائج. وشدد على أن المطلوب هو تجديد الشرعية، وليس مجرد تجديد شاغلي مواقع السلطة.
وفي إطار معالجة إرث الانتهاكات، يرى الدكتور صلاح عبد العاطي أن فلسطين تحتاج إلى مقاربة للعدالة الانتقالية تراعي خصوصية مجتمع يعيش تحت الاحتلال، ويعاني من آثار انقسام طويل وحرب مدمرة. وأكد أن هذه المقاربة لا تقوم على الانتقام من جماعة سياسية، أو استخدام القضاء لتصفية الحسابات، كما لا تقوم على عفو شامل يطمس حقوق الضحايا، بل على الحقيقة والاعتراف والمساءلة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي وضمان عدم التكرار.
ودعا، من خلال الورقة، إلى مسارات متوازية تشمل مساءلة الاحتلال عن الجرائم الدولية، ومعالجة الانتهاكات الداخلية، وتعزيز المصالحة المجتمعية وجبر الضرر، وإصلاح القوانين والمؤسسات. وأشار إلى أن حفظ الشهادات والأرشيف والاستماع إلى الضحايا ورد الاعتبار لهم يساعد على تحويل الذاكرة من مصدر للانتقام إلى أساس للحقيقة والتعلم ومنع تكرار الانتهاكات.
القانون وإدارة المرحلة الانتقالية
وفي إطار تناول مستقبل قطاع غزة، يرى الدكتور صلاح عبد العاطي أن الانتقال من الحرب إلى التعافي ليس عملية تقنية تقتصر على الانتقال من الدمار إلى الإعمار، وإنما مسار سياسي ومؤسسي يجب أن يقود إلى استعادة القدرة الوطنية الفلسطينية وتوحيد المؤسسات وتجديد الشرعية، لا إلى إنتاج سلطات بديلة أو ترتيبات دائمة منفصلة عن الإرادة الشعبية.
وأكد، من خلال الورقة، أن أي آلية مدنية مؤقتة لإدارة شؤون غزة ينبغي أن تركز على استعادة الخدمات وتنظيم التعافي وإعادة الإعمار، وحماية السجلات والممتلكات، ودعم الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية. وشدد على أن تكون ولايتها واضحة ومحددة، وقراراتها قابلة للمراجعة، ومواردها خاضعة للرقابة، وأن تقوم على المؤقتية والطابع الفلسطيني والمشاركة والمساءلة.
وحذر عبد العاطي من تحول الترتيبات الانتقالية إلى وسيلة لفصل غزة عن الضفة الغربية، أو إلى بديل عن التمثيل الوطني، أو إلى أداة لإعادة تشكيل النظام السياسي دون تفويض شعبي. وأوضح أن معيار نجاحها هو مساهمتها في بناء مؤسسات فلسطينية موحدة وشرعية، لا استمرارها بوصفها مراكز دائمة للسلطة.
وفي إطار إصلاح المؤسسات، يرى الدكتور صلاح أن توحيدها ينبغي أن يكون عملية لإعادة بناء الثقة، وليس مجرد نقل الموظفين والهياكل. ودعا إلى إصلاح سياسي وقانوني وإداري وقضائي وأمني، والفصل بين الوظيفة العامة والانتماء السياسي، وحماية حرية التعبير والتنظيم والتجمع والعمل السياسي، وتوحيد التشريعات، وتعزيز الرقابة والمساءلة.
الأمن يفتح الباب للجريمة والفوضى، فيما قد يصبح الأمن غير الخاضع للقانون مصدراً للخوف والانتهاك؛ ولذلك يجب أن تقوم المؤسسات الأمنية على المهنية ووحدة القيادة القانونية والرقابة المدنية والقضائية والمساءلة الفردية.
وشدد، من خلال الورقة، على منع التعذيب والاعتقال التعسفي، وضمان المحاكمة العادلة، وحظر استخدام الأجهزة الأمنية في الصراع السياسي. وأكد أن وظيفة الأمن هي حماية المواطن والمجتمع، لا حماية السلطة من المجتمع أو إخضاع المواطنين لها.
وفي إطار استعادة منظومة العدالة، يرى الدكتور صلاح عبد العاطي أن إعادة بناء القضاء والنيابة والمحاكم وضمان تنفيذ الأحكام تمثل ركناً أساسياً في منع العنف. وأوضح أن عجز المواطن عن الوصول إلى القضاء أو تنفيذ حكم لصالحه قد يدفعه إلى البحث عن بدائل قائمة على السلاح أو النفوذ العائلي أو السياسي.
ودعا إلى استعادة السجلات والملفات، وحماية القضاة وأعضاء النيابة والضحايا والشهود، وتوفير المساعدة القانونية، وتسريع الفصل في القضايا مع احترام ضمانات العدالة، وضمان استقلال القضاء وتوحيد منظومة العدالة ضمن إطار وطني مستقل.
وحذر عبد العاطي من تحول المظالم المتراكمة إلى أخذ للقانون باليد أو عقوبات ميدانية، مؤكداً أن جميع الاتهامات، بما فيها الاتهامات بالتعاون مع الاحتلال، يجب أن تخضع للتحقيق والنيابة والقضاء، لا للإعدامات الميدانية أو التعذيب أو الانتقام أو العقوبات الجماعية. وشدد على أن الغضب المجتمعي لا يبرر الجريمة، وأن سرعة تنفيذ العقوبة لا تجعلها عدالة.
الإعمار والتماسك المجتمعي
وفي إطار دور العائلات والعشائر والوجهاء ورجال الإصلاح، يرى الدكتور صلاح عبد العاطي أن هذه المكونات تستطيع الإسهام في منع الثأر والوساطة وتشجيع التسامح وحماية التماسك الاجتماعي، خاصة في ظروف ضعف المؤسسات. لكنه أكد أن هذا الدور يجب أن يبقى مسانداً للقانون، لا بديلاً عنه، وألا يستخدم لإخفاء المتهمين أو تعطيل التحقيقات والأحكام أو منح الحصانة لمرتكبي الجرائم.
وأوضح أن الفصائل السياسية لا يجوز أن تتحول إلى سلطات قانونية أو أمنية موازية، وأن الانتماء العائلي أو السياسي لا ينبغي أن يمنح صاحبه حماية من المساءلة. وأكد أن حماية المجتمع تتطلب تكامل الجهد المؤسسي والمجتمعي ضمن مرجعية قانونية واحدة تحمي الجميع.
وفي إطار إعادة الإعمار، يرى الدكتور صلاح أن توزيع المساعدات والتعويضات وفرص العمل والمساكن يرتبط مباشرة بالسلم الأهلي، لأن هذه العملية تعيد توزيع الموارد والخدمات والفرص، ويمكن أن تكون مصدراً لاستعادة الثقة أو سبباً لنزاعات جديدة.
وأكد، من خلال الورقة، ضرورة اعتماد معايير معلنة وعادلة لتوزيع الموارد، وضمان الشفافية والرقابة المستقلة والمشاركة المجتمعية وآليات الشكاوى الفاعلة. وحذر من استخدام المساعدات والخدمات للعقاب أو الضغط أو شراء الولاء، ومن التمييز على أساس سياسي أو مناطقي أو عائلي.
كما دعا إلى حماية الملكية والسجلات العقارية، ومنع الاستيلاء على الممتلكات أو إعادة توزيعها بصورة غير قانونية تحت غطاء إعادة الإعمار. وشدد على أن التعافي الحقيقي لا يقتصر على بناء المنازل والطرق والمستشفيات والمدارس، بل يشمل إعادة بناء الإنسان والمؤسسة والقانون والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والثقة.
وتطرح الهيئة الدولية «حشد»، من خلال هذه الورقة، رؤية تربط حماية السلم الأهلي بإنصاف الضحايا وتجديد الشرعية وإصلاح المؤسسات وحماية الحريات، وترفض الفصل بين استعادة الأمن وضمان الحقوق، أو بين المصالحة والمساءلة، أو بين إعادة الإعمار والعدالة في توزيع الموارد.
وأكد الدكتور صلاح عبد العاطي أن بناء سلم أهلي مستدام يستلزم قدرة المجتمع على الاختلاف دون عنف، ومعالجة مظالمه دون ثأر، وحماية ضحاياه دون تمييز، واستعادة ثقته بالمؤسسات. وشدد على أن الغاية هي بناء نظام سياسي واجتماعي تكون فيه الشرعية أقوى من القوة، والقانون أقوى من السلاح، والمواطنة أساساً للحقوق والحماية والمشاركة.



