
حشد تنشر تقريرًا موسعًا بعنوان “غزة تحت حصار الأوبئة.. كارثة القوارض وتداعياتها الإنسانية”
التاريخ: 26 أبريل 2025
خبر صحافي
حشد تنشر تقريرًا موسعًا بعنوان: “غزة تحت حصار الأوبئة.. كارثة القوارض وتداعياتها الإنسانية”
نشرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني “حشد” تقريرًا حقوقيًا موسعًا بعنوان: “غزة تحت حصار الأوبئة.. كارثة القوارض وتداعياتها الإنسانية”، من إعداد المحامية والباحثة الحقوقية رنا ماجد هديب، حذّرت فيه من أن قطاع غزة يواجه كارثة بيئية وصحية متفاقمة لم تعد تقتصر على آثار الحرب المباشرة، بل امتدت إلى نشوء بيئة وبائية مركبة نتيجة تراكم الأنقاض والنفايات وتدمير البنية التحتية ومنع إدخال الأدوات والمواد اللازمة لمكافحة القوارض والآفات. وأكدت الهيئة أن هذه الأزمة لم تعد تُقرأ بوصفها ظاهرة عرضية أو نتيجة جانبية للحرب، بل باعتبارها أحد أخطر تجليات الانهيار البيئي والصحي الذي يهدد حياة السكان، وخاصة النازحين في الخيام ومراكز الإيواء، وسط عجز محلي كامل عن المواجهة بسبب الحصار والدمار الواسع.
وأوضح التقرير أن انتشار القوارض في قطاع غزة يرتبط مباشرة بالتدمير الممنهج للبنية العمرانية والخدماتية، حيث تشير التقديرات إلى وجود نحو 70 مليون طن من الأنقاض في القطاع، وهو رقم يعكس حجمًا غير مسبوق من الدمار ويحوّل المشهد العمراني إلى بيئة مثالية ودائمة لتكاثر الجرذان والفئران والآفات المختلفة. ولفت التقرير إلى أن هذا الكم الهائل من الركام لا يشكل مجرد مخلفات مادية، بل يخلق ما يشبه شبكة واسعة من الجحور والممرات والبيئات المعزولة التي توفر للقوارض الحماية من العوامل الطبيعية، وتعقّد من إمكانيات مكافحتها أو الوصول إلى أوكارها باستخدام الوسائل التقليدية.
وبيّنت “حشد” أن تعطل إزالة الركام وتدمير شبكات الصرف الصحي وتراكم النفايات واختلاطها بالمياه العادمة والمواد الغذائية التالفة، أنتج بيئة بيولوجية شديدة الخطورة تسمح بتكاثر القوارض بوتيرة متسارعة، وتدفعها إلى التحرك من باطن الأرض والمجاري المدمرة إلى محيط الخيام ومراكز النزوح والمواد الغذائية المخزنة داخلها. كما أن منع إدخال المبيدات الحشرية والطعوم السامة ومواد المكافحة المتخصصة منذ أشهر فاقم من حجم الكارثة، وجعل البلديات والطواقم المحلية عاجزة كليًا عن الحد من انتشار هذه الآفة أو احتوائها.
وأكد التقرير أن الخطر لم يعد بيئيًا فقط، بل بات وبائيًا وصحيًا مباشرًا، في ظل تحذيرات وزارة الصحة من أن غزة أصبحت على حافة تفشي الأوبئة مع تصاعد خطر القوارض، خاصة مع الانهيار الحاد في الأوضاع الصحية والبيئية، وتزايد احتمالات انتقال الأمراض الخطيرة عبر العض المباشر، أو عبر البول والفضلات، أو من خلال الطفيليات الناقلة مثل البراغيث والقراد. ومن بين أبرز الأمراض التي رصدها التقرير: داء البريميات “حمى الفئران” أو الليبتوسبيرا، والسالمونيلا، والتولاريميا، والطاعون، وفيروس هانتا، إلى جانب الطفيليات المعوية ومخاطر حمى عض الجرذ، وهي أمراض تصبح أكثر خطورة في ظروف النزوح الشديد وشح المياه النظيفة وانعدام مواد النظافة والاستحمام.
وأشار التقرير إلى أن الكارثة تضرب أكثر من مستوى في الوقت ذاته، فهناك خطر مباشر على مئات آلاف النازحين الذين يعيشون في خيام أو في العراء، وقد أشارت بيانات صحية منشورة إلى وجود أكثر من مليون مواطن يعيشون في ظروف سكنية هشة للغاية، ما يضاعف من تعرضهم المباشر للقوارض ولسعاتها وفضلاتها وتلوث الطعام والمياه بها. كما حذرت تقارير أممية من أن الأمراض تتزايد في أكثر من 1600 موقع نزوح، وأن السكان في نصف مواقع النزوح تقريبًا يعانون من أمراض جلدية وأوضاع صحية متدهورة، وهو ما يضع انتشار القوارض في قلب أزمة صحية أوسع مرشحة للانفجار.
ورصد التقرير شهادات ميدانية تؤكد أن القوارض لم تعد تختبئ أو تنشط ليلًا فقط، بل باتت تتحرك في وضح النهار وبين الخيام ومخزونات الغذاء والملابس والأغطية، في سلوك عدواني متزايد يعكس اختلالًا بيئيًا شديدًا وضغطًا غذائيًا دفعها إلى الاقتراب المتواصل من البشر. وأشارت الإفادات الواردة في التقرير إلى أن الأمهات يعشن في حالة رعب دائم خشية تعرّض أطفالهن للعض أثناء النوم، خاصة مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في حالات عضات الفئران والجرذان، في وقت يعاني فيه النظام الصحي من شبه انهيار كامل، ونقص حاد في الأدوية والمضادات الحيوية ومواد الوقاية.
وبيّن التقرير أن الآثار المترتبة على هذه الكارثة لا تقف عند حدود الصحة العامة، بل تمتد إلى الأمن الغذائي والنفسي والاجتماعي، إذ تضطر آلاف الأسر إلى تخزين الطحين والبقوليات والمساعدات الغذائية داخل الخيام لغياب المخازن الآمنة، ما يجعلها عرضة للتلف أو التلوث بفضلات القوارض، وبالتالي فقدان جزء من الغذاء المحدود أصلًا. كما أن القوارض تتسبب في تمزيق الأغطية والملابس وإفساد ما تبقى من مقتنيات النازحين، وتقضي على أي مبادرات بسيطة للزراعة المنزلية أو الاكتفاء الذاتي، الأمر الذي يضيف بعدًا جديدًا لأزمة الجوع وانعدام الأمن الغذائي.
وفي الجانب النفسي، أكد التقرير أن الخوف من القوارض أصبح مصدرًا يوميًا للقلق والرعب داخل المخيمات، خاصة بين الأطفال الذين يعانون اضطرابات نوم مستمرة وحالات خوف حاد نتيجة سماع أصوات القرض والحركة داخل الخيام أو ملامسة القوارض لأجسادهم أثناء الليل. كما تعاني الأمهات من ضغط نفسي هائل وشعور بالعجز عن حماية أطفالهن من خطر لا يمكن دفعه، في بيئة لا تتوفر فيها أبسط شروط الأمان أو النظافة أو الرعاية الصحية، ما يعمّق من آثار الصدمة الجماعية التي يعيشها السكان أصلًا بفعل الحرب والنزوح.
وشددت “حشد” في تقريرها على أن هذه الحالة لا يمكن توصيفها كأزمة بيئية طارئة فقط، بل هي نتيجة مباشرة لانتهاكات مركبة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وعلى رأسها الحق في الصحة والحق في الحياة الكريمة، والحظر المطلق للعقاب الجماعي، والواجب القانوني الواقع على القوة القائمة بالاحتلال في ضمان الصحة العامة ومكافحة انتشار الأوبئة واتخاذ التدابير الوقائية اللازمة. واعتبرت الهيئة أن منع إدخال مواد مكافحة القوارض ومستلزمات النظافة وإعاقة إدارة النفايات وإبقاء المدنيين في بيئة موبوءة بالقوارض والآفات يشكل نمطًا من الإخضاع لظروف معيشية مهلكة، ويتطلب مساءلة دولية عاجلة.
وفي ضوء ذلك، طالبت “حشد” المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية والجهات الإنسانية المختصة بالتحرك الفوري لكسر ما وصفته بـ”الحصار البيئي” المفروض على قطاع غزة، والسماح بإدخال مبيدات الآفات والمواد الكيميائية المتخصصة والمصائد الميكانيكية والناموسيات وأدوات التخزين المحكمة للمساعدات الغذائية، إلى جانب توفير الوقود والمعدات الثقيلة للبلديات من أجل الوصول إلى بؤر التكاثر داخل الركام، والبدء بعمليات مدروسة لتسوية الأنقاض وردم الجحور وتطهير المناطق المحيطة بمراكز الإيواء. كما دعت إلى اعتماد بروتوكولات صحية عاجلة داخل النقاط الطبية للتعامل مع عضات القوارض، وتوفير المضادات الحيوية واللقاحات والعلاجات المرتبطة بالأمراض المنقولة عبرها، وتزويد المرافق الصحية بمخزون استراتيجي من مستلزمات الاستجابة.
واختتمت الهيئة تقريرها بالتأكيد على أن ما يجري في غزة ليس مجرد تفشٍّ عابر للقوارض أو مشكلة خدماتية مؤقتة، بل كارثة مركبة تتداخل فيها الحرب والحصار والانهيار البيئي والصحي، وتضع السكان أمام خطر وبائي مفتوح قد يتجاوز حدود القطاع إذا استمرت حالة العجز الدولي. وأكدت “حشد” أن مواجهة القوارض في غزة ليست معركة مع الطبيعة، بل مع سياسات الحصار والترك والتجويع والتدمير، وأن كل إصابة أو وفاة أو مرض ناجم عن هذه البيئة الملوثة يجب أن يُنظر إليه كنتاج مباشر لسياسات ممنهجة تستوجب المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب



