
حشــد تنشر ورقة تحليلية بعنوان دير البلح 2026 الانتخابات بين الركام وإعادة إنتاج الشرعية الفلسطينية
التاريخ: 24 ابريل 2025
خبر صحافي
حشــد تنشر ورقة تحليلية بعنوان دير البلح 2026 الانتخابات بين الركام وإعادة إنتاج الشرعية الفلسطينية
د. صلاح عبد العاطي- رئيس الهيئة الدولية “حشد”
أولًا: السياق العام – انتخابات في قلب الكارثة والفراغ السياسي
تأتي انتخابات الهيئات المحلية الفلسطينية لعام 2026 في لحظة استثنائية ومعقدة، تتقاطع فيها ثلاثة مسارات ضاغطة: استمرار العدوان الإسرائيلي وما خلّفه من دمار شامل وكارثة إنسانية في قطاع غزة، واستمرار الانقسام السياسي وتعطل الحياة الديمقراطية منذ عام 2006، إلى جانب محاولات إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني في مرحلة ما بعد الحرب، رغم تعثر الأطر الانتقالية وتجميد خطط إعادة الإعمار.
وفي هذا السياق، يتوجه أكثر من مليون ناخب وناخبة للاقتراع في الضفة الغربية، بينما تبرز دير البلح كالحالة الانتخابية الوحيدة في قطاع غزة ضمن (420) هيئة محلية، ما يعكس اختلالًا بنيويًا في وحدة النظام السياسي والجغرافي، ويطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة المرحلة الانتقالية التي يعيشها الفلسطينيون.
وفي العمق، لا يمكن قراءة هذه الانتخابات بمعزل عن حالة “الفراغ السياسي المفتوح”، حيث تتآكل شرعية المؤسسات القائمة، ويتراجع حضور التمثيل السياسي الفاعل، ما يجعل من العملية الانتخابية محاولة لإدارة هذا الفراغ بقدر ما هي محاولة لتجاوزه.
ثانيًا: دير البلح كحالة انتخابية استثنائية (الأرقام والدلالات)
تشكل دير البلح نموذجًا انتخابيًا فريدًا يحمل أبعادًا سياسية تتجاوز الطابع الخدمي، ويمكن تلخيص أبرز معطياتها على النحو التالي:
- عدد الناخبين: 70,449 ناخبًا وناخبة
- عدد القوائم الانتخابية: 4 قوائم
- عدد المرشحين: 60 مرشحًا ومرشحة
- عدد المقاعد: 15 مقعدًا في المجلس البلدي
- عدد مراكز الاقتراع: 12 مركزًا
- عدد محطات الاقتراع: نحو 96–100 محطة
هذه الأرقام لا تعكس مجرد عملية انتخابية تقنية، بل تشير إلى محاولة جدية لإعادة تفعيل المسار الديمقراطي في بيئة شبه منهارة، حيث تتحول الانتخابات إلى أداة لإعادة تشغيل الحد الأدنى من المؤسسات.
ثالثًا: الانتخابات كفعل صمود مدني… وإدارة للواقع
في مشهد يكاد يكون سرياليًا، تُنصب الخيام كمراكز اقتراع، ويصطف الناخبون بين الركام. هنا، لا تبدو الانتخابات مجرد إجراء إداري، بل فعلًا من أفعال الصمود السياسي والمجتمعي.
فالعملية الانتخابية في دير البلح تمثل:
- كسرًا لحالة الجمود الديمقراطي الممتدة منذ عقدين
- محاولة لإعادة إحياء الشرعية عبر الإرادة الشعبية
- رسالة سياسية برفض تكريس الانفصال بين غزة والضفة
لكن في الوقت ذاته، تعكس الانتخابات بعدًا آخر لا يقل أهمية، وهو كونها أداة لإدارة الواقع القائم، في ظل محدودية القدرة على إحداث تغيير سياسي حقيقي، ما يجعلها أقرب إلى استجابة اضطرارية لملء فراغ إداري وخدمي متفاقم.
بمعنى آخر: الديمقراطية هنا لا تُمارس في ظروف طبيعية… بل تُنتزع انتزاعًا، وتُستخدم في الوقت ذاته كأداة للبقاء.
رابعًا: قرار تقني أم اختبار سياسي؟
رغم تقديم اختيار دير البلح كموقع لإجراء الانتخابات باعتباره قرارًا فنيًا، إلا أن القراءة السياسية تكشف أبعادًا أعمق، حيث يبدو القرار أقرب إلى “اختبار سياسي” لإمكانية إعادة تشغيل المسار الانتخابي في بيئة أقل تضررًا نسبيًا.
وقد استند هذا الاختيار إلى:
- كون المدينة الأقل تضررًا مقارنة بمناطق أخرى
- إمكانية تنفيذ الانتخابات فيها رغم الانهيار
- استخدامها كنموذج أولي لتعميم التجربة لاحقًا
غير أن هذا النموذج يحمل مفارقة حادة:
- إما أن يكون مدخلًا لاستعادة الوحدة السياسية
- أو يتحول إلى تكريس لواقع التجزئة وإدارة الانقسام
- وهنا تكمن خطورته… وقيمته في آن واحد.
خامسًا: البلديات كإدارة طوارئ وأزمة شرعية
في ظل الانهيار الواسع للبنية التحتية والخدمات، تبدو البلديات في غزة أقرب إلى وحدات “إدارة طوارئ ممتدة”، أكثر من كونها مؤسسات حكم محلي تقليدية.
هذا الواقع يطرح تساؤلات جدية حول:
قدرة المجالس المنتخبة على إحداث تغيير فعلي
محدودية الموارد والإمكانات
استمرار القيود على إعادة الإعمار
غموض الدور السياسي والإداري في المرحلة المقبلة
وفي العمق، تكشف هذه الانتخابات عن أزمة شرعية بنيوية، حيث لم تعد المؤسسات القائمة قادرة على إنتاج تمثيل سياسي حقيقي أو استعادة ثقة المواطنين، ما يجعل الانتخابات محاولة جزئية لترميم الشرعية، لا إعادة بنائها بالكامل.
سادسًا: بين التعافي وإعادة إنتاج الأزمة
تحمل الانتخابات وجهين متناقضين:
وجه التعافي:
- استعادة ثقة المواطن بالمؤسسات
- تحسين الخدمات المحلية
- إعادة الاعتبار للمشاركة السياسية
وجه المخاطر:
- محدودية التأثير دون انتخابات شاملة
- إعادة إنتاج شرعية منقوصة
- تكريس الانقسام الجغرافي والسياسي
وبالتالي، قد تكون الانتخابات علاجًا جزئيًا… أو مجرد “مسكن سياسي” في ظل غياب حل جذري للأزمة.
سابعًا: البعد الاجتماعي – العائلة بدل السياسة
من أبرز التحديات البنيوية لهذه الانتخابات احتمال تحوّلها إلى ساحة لإعادة إنتاج النفوذ الاجتماعي التقليدي، بدلًا من كونها منافسة ديمقراطية قائمة على البرامج.
فالقوائم “المستقلة” قد تخفي:
- اصطفافات عائلية
- تحالفات غير معلنة
- تمثيلات اجتماعية أكثر منها سياسية
كما أن طبيعة المجتمع في دير البلح، بتنوعه بين عائلات ولاجئين ومكونات اجتماعية مختلفة، تعزز من حضور البعد العشائري، على حساب العمل الحزبي والبرامجي، خاصة في ظل ضعف الحياة السياسية المنظمة.
ثامنًا: البعد الخدمي – الواقعية الانتخابية
يعكس المزاج الشعبي في دير البلح توجهًا عمليًا واضحًا، حيث تتركز أولويات الناخبين على القضايا الحياتية الأساسية:
- المياه والكهرباء
- الصرف الصحي
- التعافي الخدمي
- إعادة الإعمار
- فرص العمل
- مواجهة أزمة النزوح القسري
الناخب هنا لا يسأل: من يمثلني سياسيًا؟
بل يسأل: من سيُعيد لي الحد الأدنى من الحياة؟
تاسعًا: الشباب كقوة حاسمة
يشكل الشباب (57%) من السجل الانتخابي، ما يجعلهم الفاعل الأكثر تأثيرًا في هذه العملية.
لكن التحدي يتمثل في ضعف تمثيلهم داخل القوائم ومراكز القرار، ما يستدعي مواءمة العملية الانتخابية مع المعايير الدولية، خاصة قرار مجلس الأمن 2250، الذي يؤكد على أهمية إشراك الشباب في الحكم وصنع السلام.
عاشرًا: النزاهة والرقابة في بيئة هشة
رغم التعقيدات، تم اتخاذ إجراءات لتعزيز النزاهة، أبرزها:
- استخدام الحبر الانتخابي
- تنظيم مراكز الاقتراع جغرافيًا
- إشراك مؤسسات المجتمع المدني في الرقابة
كما كشفت اللقاءات مع لجنة الانتخابات عن اعتماد حلول استثنائية لضمان سير العملية، في ظل ظروف قسرية، ما يعزز نسبيًا من مصداقيتها، رغم البيئة غير المستقرة.
حادي عشر: السيناريوهات المحتملة
السيناريو الإيجابي:
نجاح التجربة → تعميمها في غزة → استئناف المسار الديمقراطي
السيناريو الواقعي:
نجاح جزئي → تحسين خدمات → استمرار الانقسام
السيناريو السلبي:
فشل التجربة → تآكل الثقة → تكريس الجمود
ثاني عشر: خلاصات وتوصيات
الخلاصات:
انتخابات دير البلح تمثل اختبارًا سياسيًا وجوديًا
تعكس محاولة لإحياء النظام من الهامش
تكشف حدود القدرة على إعادة إنتاج الشرعية
التوصيات:
تعميم الانتخابات في قطاع غزة
ربطها بمسار وطني شامل لإنهاء الانقسام
تعزيز تمثيل الشباب والنساء
دعم استقلالية العملية الانتخابية
ربطها بإعادة الإعمار وتحسين الخدمات
الخاتمة
في دير البلح، لا تُفتح فقط (96) صندوق اقتراع…
بل تُفتح أيضًا نوافذ متعددة بين الأمل والاختبار.
الانتخابات هنا ليست مجرد عملية ديمقراطية تقليدية، بل مرآة لأزمة عميقة، ومحاولة في الوقت ذاته لإعادة بناء الممكن داخل واقع يكاد يكون مستحيلًا.
السؤال الحقيقي ليس: كم عدد الأصوات؟
بل: هل ستتحول هذه التجربة من استثناء تحت الركام… إلى قاعدة تعيد بناء النظام السياسي؟
لأن الديمقراطية هنا لا تُقاس فقط بعدد المشاركين،
بل بقدرتها على البقاء حيّة… حتى عندما يكون كل شيء آخر تحت الأنقاض.



